في عام 1870، في إحدى بيوت بغداد القديمة على جانب الرصافة، وُلِد آري جافور لعائلة يهودية محافظة. كان المولود الأخير والطفل الذكر الوحيد لأهله، وعلى خلاف تقاليد الديانة، تم ختانه في اليوم العشرون بدل الثامن. كانت عائلته من الطبقة اليهودية الثرية، يعيشون في بيت واسع يطل على نهر دجلة، محاط ببساتين صغيرة وحدائق داخلية. كانت بيوت أقاربه متلاصقة، حيث كانت الأحياء اليهودية في بغداد مزدهرة ومليئة بالحرفيين والتجار. كان يسمع العبرية التوراتية يوميًا، لكنه يتحدث بالعربية البغدادية مع الجميع، ويشارك في حياة الحي وأزقته الضيقة المليئة بالحركة والباعة. وكانت صديقته المقربة منذ الطفولة شفا، ابنة خاله التي تكبره بعامين، ترافقه في كل لعبه واستكشافاته، تملأ أيامه بالمرح والدفء.
نشأ آري على حفظ التوراة وقراءة التلمود، وعند عمر الثالثة عشر أقيم له بار ميتسفا، ليصبح مسؤولًا عن أفعاله أمام الله والمجتمع. لكنه، رغم صداقاته مع مختلف فئات بغداد وانفتاحه على الناس، كان يضمر في داخله تساؤلات كبيرة عن الحياة والدين والأفكار الأخرى، رغبة عارمة في التعرف على عوالم أبعد من حدود بيئته المحافظة، التي كانت تمنع أي اختلاط فكري. كانت المدارس اليهودية في بغداد تعلم الدين واللغة العبرية، لكنها كانت تحافظ على انعزال شبه كامل عن الفكر الغربي والعالمي.
ثم جاء اليوم الذي غيّر مجرى حياته. في سن التاسعة عشرة، خلال ليلة صيف دافئة، جاء التاجر اليهودي إليون إلى بيتهم بعد العشاء، وجلسوا على ضفاف دجلة، حيث اقترح على والد آري أن يرسل ابنه لدراسة التجارة في إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية الواسعة، المدينة التي كانت مركزًا للتجارة والثقافة والتعددية الدينية، حيث الأسواق العثمانية الكبيرة، وحركة السفن في البوسفور، والمساجد والكنائس والمعابد اليهودية تتعايش جنبًا إلى جنب. رحب الأب بالفكرة، بينما شعر آري بفرح لا يوصف، كاد أن يطير من السعادة، متخيلًا إسطنبول قريبة كما لو كانت بغداد نفسها.
أودع آري أصدقاءه ومعلميه ببرود، كأنه يودع حياة طفولته القديمة، وغادر إلى محطة القطار عبر زورق خشبي من حديقة بيتهم المطلة على دجلة، بين أصوات الطيور وهمسات النهر. ودّع أهله وودّع شفا، ومع تحرك الزورق بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه، يليه شوق مفاجئ لشفا، الأمر الذي أربكه، لكنه لم يلبث حتى وصل إلى محطة القطار التي ستقوده إلى الموصل في رحلة طويلة مدتها ثلاثة أيام، بين الأنهار والسهول والقرى التي لم يرها من قبل.
على متن القطار، تفاجأ آري بأن التاجر تركه ليركب رحلة أخرى إلى مدينة ثانية، ووعده بأنهما سيلتقيان في الموصل. هناك، تعرف آري على فتاة جميلة اسمها زهرة، كانت ابنة عاهرة تتجول بين المدن مع أمها التي أنجبتها عن طريق الخطأ. قضى معها ليالي طويلة على متن القطار، وكان قلبه يبحث عن دفء إنساني وسط الوحدة الغريبة، بينما تتخلل رحلته مشاهد لمزارع الحنطة والقرى الطينية والأطفال يلعبون على أطراف السكة الحديدية الجديدة، التي كانت إحدى علامات الحداثة العثمانية في العراق. لكن الأيام الثلاث لم تكن كافية لإرضائه؛ فقد رأى فيها المعاناة والضعف الناتج عن ولادتها في حياة صعبة. قبل الوصول إلى الموصل، نزلت أمها في إحدى المحطات، وتركته ليشهد كيف ترتمي زهرة في حضن رجل يكبرها بعشرين عامًا، وانتهت أحلامه هناك، على رصيف القطار البارد.
وصل آري إلى الموصل، مدينة الأنهر والأزقة القديمة، حيث الأسواق القديمة والبازارات العثمانية، بعيدًا عن أهله، وبدا أن حياته ستأخذ مسارًا مختلفًا. تعرف على شاب يُدعى ألياس، من أصول مسيحية، لكنه ملحد وسكير. قضى معه ليالي طويلة في الأزقة، مستمعًا إلى محاضراته الفلسفية عن الحياة والدين والوجود، نقاشات أرهقته وأثرت فيه بعمق، وجعلته يشك في كل ما كان يؤمن به.
مرت أشهر، ولم يظهر التاجر، وفي صباح أحد الأيام، كان آري نائمًا على ضفاف دجلة، منهكًا بعد نقاش فلسفي طويل مع ألياس، الذي سكر خلاله. لم يكتفِ بالصحبة الليلية، حتى أيقظه كف التاجر إليون على وجهه، وبخه على مرافقته للشاب السكير، وأخذه معه. رغم ذلك، ظل داخله رغبة قوية لإكمال النقاش الفلسفي الذي وصل من خلاله إلى قناعة أنه لا يوجد أنبياء.
لم يستطع آري توديع ألياس. وبعد يومين، أخبره التاجر بوجود جثة شخص في نهر دجلة. تعرف آري على صديقه، وكانت الجثة كأنها تشع نورًا، كالسيد المسيح في صمت الغروب. كان آري مريضًا بسبب السهر والبرد القارس على ضفاف دجلة، ولم يستطع حضور دفن ألياس، الذي دُفن في مقبرة مسيحية.
غادر آري، والدموع تملأ عينيه، مع التاجر إلى إسطنبول، حاملاً قلبه الممزق وذكريات بغداد التي لم يعد لها وجود، ليبدأ فصلًا جديدًا في مدينة غريبة، مليئة بالفرص والتحديات، لكنها أيضًا مليئة بالغربة والحنين، بين الأسواق الصاخبة للبوسفور والرحلات البحرية التي تعكس حياة الإمبراطورية العثمانية الغنية والمتنوعة.