الفصل الأول
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا، والشارع شبه فارغ إلا من ضوء أعمدة الإنارة الخافت. كانت ليان تسير بخطوات سريعة وهي تمسك هاتفها بيدها، تشعر بأن المكان هادئ أكثر من اللازم. حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر طبيعي، لكن إحساسًا غريبًا ظل يرافقها، كأن هناك من يراقبها من بعيد. توقفت فجأة ونظرت خلفها، لكن الشارع كان خاليًا تمامًا.
تنفست ببطء وهمست لنفسها أن كل ما يحدث مجرد أوهام، ثم عادت لتكمل طريقها. لكنها لم تمشِ سوى خطوات قليلة حتى سمعت صوت سيارة تقف بعنف بالقرب من الرصيف. التفتت بسرعة، لتجد سيارة سوداء تقف على بعد أمتار منها، وبابها يُفتح ببطء. نزل منها شاب طويل يرتدي ملابس سوداء، ووقف ينظر إليها بنظرة ثابتة جعلت قلبها يدق بسرعة.
تقدم خطوتين وقال بصوت هادئ: “المفروض ما تكونيش هنا.”
عقدت ليان حاجبيها ونظرت إليه بتعجب. “وأنت مالك أنا فين؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة لكنها بدت غامضة، ثم قال: “لأن من اللحظة دي… حياتك هتتغير.” نظرت إليه بارتباك وقالت: “أنا حتى ما أعرفكش.”
سكت للحظة، وكأنه يفكر في شيء، ثم قال ببساطة: “اسمي زين.”
وقبل أن تتمكن ليان من الرد، ظهر ضوء سيارات يقترب بسرعة من آخر الشارع. نظر زين خلفه بسرعة، ثم عاد ينظر إليها بجدية واضحة وقال: “لو عايزة تعيشي… اركبي العربية دلوقتي.”
تراجعت خطوة للخلف وقالت بعصبية: “إنت اتجننت؟ أنا مش هركب مع واحد ما أعرفوش!”
لكن زين لم يبدُ متوترًا، بل نظر إلى السيارات التي اقتربت أكثر ثم قال بهدوء: “الموضوع مش اختيار دلوقتي.”
وفجأة فتح باب السيارة وأشار لها أن تركب. كانت ليان مترددة، لكن صوت السيارات التي اقتربت بسرعة جعل الخوف يتسلل إلى قلبها. وفي لحظة ارتباك، ركبت السيارة بسرعة قبل أن تفكر أكثر.
أغلق زين الباب، ثم جلسخلف المقود وانطلقت السيارة بسرعة في الشارع المظلم. كانت ليان تنظر إليه بصدمة واضحة وقالت: “ممكن أفهم إيه اللي بيحصل؟”
ظل صامتًا للحظات وهو يركز في الطريق، ثم قال بهدوء: “اللي بيحصل إنك شفتي حاجة ما كانش المفروض تشوفيها.”
اتسعت عيناها بدهشة. “أنا؟ أنا ما شفتش حاجة!”
نظر إليها سريعًا ثم عاد بعينيه إلى الطريق. “شفتي.”
سكتت ليان قليلًا، لأنها بالفعل رأت شيئًا غريبًا قبل دقائق، لكنها لم تتخيل أن الأمر يمكن أن يكون مهمًا لهذه الدرجة. همست بتوتر: “حتى لو… ده مالوش علاقة بيا.”
ابتسم زين ابتسامة خفيفة وقال: “للأسف… بقى ليه علاقة.”
وقبل أن تسأله أي شيء آخر، نظرت في المرآة الأمامية ورأت سيارتين تقتربان بسرعة خلفهم. شعرت بالخوف فورًا وقالت بصوت مرتجف: “زين… هما بيطاردونا!”نظر في المرآة للحظة، ثم ضغط على دواسة البنزين بقوة، وقال بهدوء غريب: “عارف.”
انطلقت السيارة بسرعة أكبر، وبدأت المطاردة في شوارع المدينة المظلمة، بينما كان قلب ليان يدق بقوة وهي تدرك أن حياتها الهادئة انتهت في تلك الليلة… وأن لقاءها مع زين لم يكن مجرد صدفة.