في عالم صار المال فيه دينا، والمصلحة عقيدة، وضعوا الاخلاق على رف عال كتحفة جميلة يشاهدونها ولا يلمسونها. نسي الناس ان للانسانية خطا احمر، فاصبح الماضي وهما، والحاضر كذبة، والمستقبل فراغا ينتظر ان يملأ بالشهوات.
___
كانت كاثرين، او "كاثي" للقلة التي اذنت لها باختراق اسوارها العالية، كعاصفة رملية في صحراء، عنيفة في هدوئها، وغريبة في محيطها، ولا يمكن تجاهلها. لم تكن امرأة تشاهد، بل كانت ظاهرة تعاش. سمرتها لم تكن كسمرة الصيف العابرة، بل كلون تراب حمل حكايات اجداد عرفوا كيف يصنعون من القساوة زهرة. شعرها الاسود الطويل كشلال من ظل الليل، لكن كنزها الحقيقي كان في عينيها: تلك العينين البنيتين الواسعتين، اللتين لم تكونا نافذتين فحسب، بل بحرين هادئين من السطح، لكل من يغوص فيهما يجد اعماقا لا تقاس: حكمة اقدم من عمرها، وجراحا اعمق من ان تظهر، وشرارة تمرد لا تنطفئ.
__
واذا اردت الحقيقة الابسط، فكاثي كانت تلك المعادلة المعقدة التي وضعها الكون ليختبر ذكاء البشر، فيها متغيرات من الالم، وثوابت من الكبرياء، وحلول لا يعرفها الا من يجرؤ على حذف الاقواس ومواجهة الجذور التربيعية للحقيقة، مهما كانت نتائجها غير منطقية.
في يوم كان الغيم فيه منخفضا كسقف يضغط على الصدور، رن هاتفها. الاسم على الشاشة: "الكسندر". نظرت اليه ثم رفعت السماعة. - نعم؟ - اهلا كاثي، كيف حالك؟ كان صوتها هادئا كسطح بحيرة ليلية: "لا داعي للتحيات. خذ ما تريد قوله وضعه امامي الان. فانا على دراية بسبب اتصالك... انفصال، اليس كذلك؟" - اجل، دائما ما تدهشينني بذكائك. لننفصل. انت لست مناسبة لي، وانا... لم تنتظر حتى يكمل. - حسنا. اغلقت الخط، ثم مسحت الرقم كما تمسح غبار ذكرى مزعجة. ضحكت ضحكة واحدة جافة: "اتعلمين؟ حتى الجدران في منزله كانت تتكلم عن خيانته. الغباء الوحيد انني اردت ان اصدق انه سيختلف."
___
خرجت كمن يهرب من شبح نفسه. ووسط شارع تفوح منه رائحة القهوة الغالية والطموح الرخيص، مرت امام "لافيرندا"، حيث ينساب عزف البيانو عبر النوافذ العالية كانه بكاء راق.
فجاة... انفجار. ليس انفجار قنبلة، بل انفجار صرخة مزقت الهواء الراقي. رجل يندفع كالسهم، حاملا حقيبة من جلد التمساح، تاركا وراءه سيدة شقراء تتهاوى على الرصيف كتمثال من كريستال سحق فجاة. تحركت كاثي قبل ان تفكر. انطلقت، والتفت، وحركة واحدة دائرية اسقطت اللص وكسرت ذراعه في نفس اللفة، لكنه نهض وهرب.
ارتفعت الحقيبة من على الرصيف كقطعة اثاث سقطت من مسرح. امامها وقفت السيدة، في الوهلة الاولى مجرد شابة متانقة. لكن ذكاء كاثي واستنتاجاتها كشفا السر: تلك الخطوط الرفيعة تحت العينين، التي تروي قصة سنوات لم يذكرها المظهر. السيدة تنظر اليها، والصدمة تبلل عينيها كما يبلل الندى زجاج نافذة في صباح بارد.
___
على بعد امتار، داخل سيارة بنتلي سوداء لامعة كجناح غراب، كان ارثر فيكتور لوكهارت يشاهد المشهد. كان رجلا صنعته الصفقات لا الاحلام. في السابعة والعشرين من عمره، يبدو كما يجب ان يبدو رجل الاعمال الناجح: ملامح حادة كعملة نادرة، وعينان بلون العاصفة الرمادية، لا تعكسان الضوء بل تمتصانه.
___
والى جانبه، سيلينا: اناقة باردة كشفرة سكين في صقيع. وجهها مثل تحفة من الرخام الابيض، لا تعرف الابتسام الا عندما تؤذي. تلك المرأة التي لو نظرت اليك لحظة، ستشعر انك توزن، تقيم، ثم ترمى في سلة المهملات.
___
كانا معا صورة للانسجام المثالي. يداه مرتاحتان على عجلة القيادة، بينما كانت هي تلمع ظفرها باصبعها الذهبي، حركة اعتاداها. "انظري"، قال ارثر دون ان يرفع عينيه عن كاثي في الخارج، وكلماته تنساب كالدخان. "قطعة شطرنج جديدة دخلت اللوحة." سيلينا ادارت راسها قليلا، ضحكتها خافتة كجرس كريستال. "اتحب عندما يكون اللعب غير متوقع؟" "احب عندما تكون النهاية معلومة لنا وحدنا"، رد بنبرة الرجل الذي يعرف ان شريكته تفهم اللعبة كما يفهمها.
___
كانت مسافة الالفة بينهما مريحة وغير متكلفة، كتفها يقترب من ذراعه عندما تميل للحديث، نظراتهما تلتقي لثانية فيفهم كل منهما ما يفكر به الاخر دون كلام. لم تكن رومانسية صاخبة، بل شراكة صامتة تلمع في العتمة مثل ساعة رولكس في معصم ارثر، ثمينة، دقيقة، وتبين الوقت لمن يعرف كيف يقراها.
___
Flashback: ارثر وهو يخطط في صمت بجانبه، سيلينا تضغط على شفتيها حتى ابيضتا. - هذه هي فاليريا. تبدو كتحفة حتى وهي منهارة. - المفترض ان لا تظهر التحفة الا في المتاحف. سيلينا اخرجت صورة: "لقد باع رئيس بلدية وودهافن روحه. اعطاها قرصا يحتوي على خريطة اسلحة قد تشعل حربا اهلية في خمس دول، لكن لو حصلنا عليها سنسيطر على خمس دول ستكتب السيادة باسمنا." ابتسم ارثر ابتسامة لا تصل الى عينيه: - اذا، الحقيبة الان تحتوي على نار. - نار يمكننا ان نتحكم بها لو كانت في ايدينا. اتصل بصديقه ماريوس: "الملكة تجلس على رقعة الشطرنج. خذ الحصان، واعاده فارغا. سيلينا ستنقذ الموقف، وستفتح لنا الباب. واللعبة تبدا." End Flashback:
___
بعد افساد خطته، قرر ارثر ان يعيد تشكيل اللعبة، كي لا يطرد من الملعب خاسرا. ترجل عن سيارته، والمشهد من بعيد يكاد يجمد دماءه: سيلينا مصدومة، فاليريا منهارة، وكاثي... هذه الغريبة التي قلبت موازين رقعة شطرنجه بلا دعوة.
سار نحوها بخطوات واثقة، مشية سيد يعرف ان الارض تنبسط تحت قدميه. راته كاثي مقبلا، فبدا على وجهها تعبير صامت: "لماذا يسير هذا المخلوق ناحيتي؟"
___
احتضنها.
كان جسده باردا، وهمسه في اذنها اخفت من صرير الباب في ليلة شتاء: "اسمعي... رجل في النافذة الثالثة يصورنا. ابتسمي، او تصبح صورتك عنوانا رسميا في الخبر. انت زوجتي المزعومة لدقيقتين. العبي الدور، او ساجعل من حياتك فيلما ترعبين من مشاهدته."
ضربت الافكار راس كاثي كالنحل. الظهور في الصور؟ الاخبار؟ مستحيل. لاسبابها الخاصة، كان ذلك كابوسا بالنسبة لها. لكن كيف عرف؟ كيف جمع معلوماتها في دقائق؟ لم تكن تدري ان من يقف امامها شبكة معلومات استخبارية كاملة، فمجرد اتصال واحد كفيل بجمع الف معلومة. كان لديه اتباعه ومعارفه الخاصين.
___
جمدت. غريزتها صرخت، لكن منطقها همس: العبي. رفعت يدها بتكلف، تمسح غبارا وهميا من كتفه. ابتسمت. ابتسامة مرة كالدواء منتهي الصلاحية. "عزيزي!" رفعت صوتها. "كم اشتاق حتى لخيانتك."
"عذرا سيدتي، يبدو انني قطعت حبل افكارك." انحنى ارثر قليلا، بسحر مزيف. "انا جون ادوارد فوسكا، وهذه زوجتي ايمي."
"سعدت بلقائكما." قالت فاليريا، ونظراتها الدافئة تتنقل بينهما. "كنت سادعو الانسة ايمي للعشاء لمناقشة امر مهم. سيكون شرفا لي ان تحضرا معا."
"لا اظن انني ساتمكن من الحضور." ردت كاثي بلباقة مفاجئة، فقاطعها ارثر: "زوجتي لديها اعمالها الخاصة، وحتى انا، لكن بما اننا تلقينا دعوة منك، فلن نردك."
"حسنا." قدمت فاليريا بطاقتها الذهبية.
ومضت فاليريا.
___
التقط ارثر البطاقة بين اصبعيه كما يلتقط القناص هدفه. في يد: دعوة. وفي الاخرى: سيطرة. لكن يد كاثي التي كانت بين يديه انسحبت فجاة، كثعبان يفلت من قبضة.
"ايها المحتال!" صرخت، وعيناها تشتعلان. "كيف تجرا على تهديدي؟ كيف عرفت ما يسكتني؟"
___
توقفت انفاس ارثر للحظة. محتال؟ لم تنطق هذه الكلمة بحقه من قبل. النساء كن ينظرن اليه كمعجزة، لا كخدعة. "ايتها القطعة النادرة على رقعة شطرنجي"، قال بنبرة اخفت حدتها تحت العسل، "لا تنسي انك كسرت ذراع صديقي. وافسدت عملية كاملة. القانون سيسمي ذلك اعتداء، وانا اسميه اهمالا."
ضحكت كاثي ضحكة قصيرة جافة. "ايها السيد المحتال المهووس، لا تنس انك تدين لي بتلك الدعوة. لا اعرف ماذا تخططون، لكنكم تلعبون مع شخص خاطئ. بالنسبة لي، هذا لعب اطفال."
"الزمي حدودك." انخفض صوته فجاة، واصبح كصوت الصقيع. "انا هنا في مهمة لانقاذ ارواح، لا لاستمع لاوصاف تقلل من قيمتي." وقال هذا لانه ادرك جانب شخصية كاثي التي تحمي الضعفاء، فنيته كانت عكس ذلك تماما. ظهر الفضول على وجهها كشمس خاطفة، ثم خفت. لا، ليس شانها. التفتت لتغادر.
___
يد قوية امسكت بذراعها. "لا استطيع الذهاب بمفردي، يا قطعة الشطرنج. السيدة فاليريا، انت بمثابة هدية مختارة لها، لا انا." اخرج ظرفا نقديا وضعه في يدها. "اشتري فستانا وانتظريني غدا." ثم اخذ هاتفها، وسجل رقمه رغما عنها. همست تحت شفتيها: "اتظن انني لا استطيع حذف الرقم مباشرة بعد مغادرتي؟" سمعها، لكنه لم يشا ان يظهر ذلك.
نظرت اليه. ثم ابتسمت ابتسامة حلوة مخادعة. "سيدي... اغمض عينيك للحظة." تعجب ارثر، ثم اطاع، حتى هو لا يعرف لماذا. ربما ابتسامتها البريئة، او سحرها الذي لا يقبل الرفض. "والان..." همست، "يمكنك ان تحلم بي وانا اشتري الفستان واقابلك. حظا موفقا مع قطعة شطرنج اخرى، فانا قد خسرت سلفا."
___
توقفت لحظة، ثم عادت بخطوتين. بسرعة خاطفة، اخرجت الظرف النقدي من يدها واودعته في جيبه الامامي. ثم ولت نهائيا.
فتح عينيه. كانت قد ذهبت. لم يحرك ساكنا. الدهشة والغضب يلتهمانه. لقد وضعته محل سخرية؟ وهو؟ لم يتحرك من الصدمة التي لم يذق مثلها. هيبته، ذلك التاج الذي لم يسقط، اهتزت.
___
يده تلمست جيبه. وجد الظرف. فتحه. النقود كلها هناك. لم يعد غاضبا فقط. لقد اصبح مهتما حقا. كثيرة كانت الاسئلة التي تدور في راسه عن اليوم الغريب، واكثر من ذلك الخطط التي بدات تتشكل في ذهنه. هذه المرة، سيكون ملك اللعبة دون منازع.
"سيلينا..." التفت اليها، صوته اجش. "هيا بنا."
___
كانت سيلينا غارقة في صدمة اخرى: فشل مهين، وتحصيل حاصل من دمار. كيف لتلك "اللا احد" ان تسرق الاضواء منها؟ ان تحتضنها يداه؟ ان تنال اعجاب فاليريا؟ "سيلينا!" انتفضت. "اسفة... كنت افكر." وفي عينيها، بدا شيء جديد يولد: غيرة سامة، وخطط انتقام لم تكتب بعد. فلم تعتد على ان تترك خصما يفلت منها...
والسؤال الذي بقي معلقا في الهواء البارد: في لعبة دخلتها كاثي رغما عنها، ويحرك القطع ارثر كما يحلو له، وسيلينا التي تنسج قميصا من المكائد، وفاليريا التي تملك خريطة تغير كل شيء... من سيمسك بالخيط الاول حين تبدا الجولة الحقيقية؟
(سؤال هذا الفصل: لو كنت مكان كاثي... هل كنت ستهربين؟ ام تلعبين حتى النهاية؟)