*بوابة النسيان
في حارة صغيرة في مدينة مزدحمة، كان في ولد اسمه عمر. عمر كان عنده فضول ملوش حدود، وكل يوم يرجع من دروسه ماشياً في نفس الطريق. بس في يوم، الساعة عدّت نص الليل، وكان راجع لوحده، والشارع فاضي تمامًا. وهو ماشي، لاحظ إن في زقاق صغير على يمينه… زقاق عمره ما شافه قبل كده، رغم إنه بيعدي من هنا كل يوم. وكان فيه لافتة قديمة مكتوب عليها بخط مش واضح: "شارع النسيان". طبعًا فضوله كالعاده شدّه، ودخل الزقاق… أول ما دخل، حس إن الدنيا اتغيرت. الصوت اختفى، مفيش عربيات، مفيش ناس، حتى الهواء كان ريحته مختلفة. الشارع كان غريب، كل البيوت فيه مفتوحة، لكن مفيش ولا بني آدم. وهو ماشي، لقى قطة سودا قاعدة تبصله بعينين شبه بشر، وقفت وقالت له بصوت هادي: "اللي يدخل شارع النسيان لازم يسيب وراه حاجة مهمة." عمر اتجمد في مكانه… حاول يرجع، لقى الزقاق اختفى وراه. بقى محبوس جواه. وفي آخر الشارع، كان في باب قديم جدًا، عليه مراية. عمر قرّب منها، وبص في المراية… بس ما شافش وشّه… شاف ذكرياته. شاف أول مرة اتخانق مع صاحبه وسابه، شاف كل حاجة ندمان عليها، كل حاجة نسيها سنين… ولما حاول يلمس المراية، سمع صوت بيقول: "هتخرج، بس لازم تختار: يا إما تنسى كل ده تاني، يا إما تفتكره وتعيش بيه." عمر فضل واقف، مش عارف يقرر. وفي لحظة، صحي من النوم… بس وهو بيغسل وشه الصبح، بص في المراية… ولقى نفس القطة السوده قاعدة وراه، بتبصله… وبتبتسم. عمر اتجمد مكانه. لف بسرعة ورا، بس… مفيش حاجة. القطة اختفت. قال لنفسه: "أكيد أنا كنت بحلم… يمكن لسه تعبان." لكن وهو خارج من الحمام، لاحظ حاجة أغرب… البيت نفسه شكله متغير شوية. الصور على الحيطان مش هي هي. في صورة لناس هو مش عارفهم… لكن باين عليهم يعرفوه كويس. فتح تليفونه، حاول يشوف الصور عليه… لقى معظم الصور اتحذفت. بس في صورة واحدة، جديدة، مايعرفش مين صورها. كانت صورة ليه… واقف في شارع النسيان، قدام نفس الباب اللي فيه المراية. بدأ قلبه يدق بسرعة… قال: "ده مش طبيعي… لازم أروح للمكان ده تاني!" نزل بسرعة، راح على نفس الشارع… لكن مفيش أي زقاق. كله زي ما هو. حتى الراجل بتاع الكشري اللي على الناصية قاله: "يا ابني الشارع ده مفيهوش غير محلات… مفيش زقاق هنا من أصله." رجع عمر البيت، محبط، لكنه لاحظ حاجة أخيرة… كان في ظرف صغير على مكتبه، مكتوب عليه بخط إيده هو: "لو فتحت الباب، متنساش مين كنت… ومين بقيت." فتح الظرف… لقى فيه مفتاح صغير، عليه نقش غريب: رمز على شكل عين، جوّاها ساعة رملية. ومن اليوم ده، كل ما عمر ينام… يحلم بنفس الشارع، ونفس الباب، ونفس المراية… بس كل مره يشوف ذكرى جديدة… وبدأ يحس إن عقله مش ملكه لوحده. وفي يوم، سمع صوت في الحلم بيقوله: "في وقت معين… هيظهر الشارع تاني، بس المرة دي، هتخرج منه مختلف… أو مش هتخرج خالص." من كتر الأحلام المتكررة اللي بيشوفها عمر عن شارع النسيان، بدأ يحس إنه لازم يلاقي حد يفهمه، حد يصدق اللي بيحصله. وفي يوم، وهو قاعد في مكتبة عامة، بيحاول يدور على كتب عن الأحلام والرموز، قابل بنت كانت قاعدة على الأرض، وسط كتب كتير، شكلها مركزة جدًا. البنت دي اسمها مريم. كانت بتدور على نفس نوع الكتب… عن الأحلام، والأماكن الغريبة، والرموز اللي بتظهر فجأة في الواقع. عمر، وهو مش مصدق، قرب وسألها: "إنتِ مهتمة بالمواضيع دي؟" ضحكت مريم وقالت: "آه جدًا… بحس إن في حاجات في الدنيا أكبر من اللي بنشوفه، بتحصل في أماكن محدش بيلاحظها، بس موجودة." وهنا حس عمر بشيء غريب… كأنها تعرف اللي بيحصله. بدأوا يتكلموا. حكا لها كل حاجة عن شارع النسيان، والمراية، والمفتاح… وبدل ما تضحك عليه زي أي حد، قالت له بهدوء: "أنا كمان شفت الزقاق ده… بس وأنا صغيرة، ومن يومها مشفتهوش تاني." وهنا بدأت الرحلة. قرروا هما الاتنين يدوروا على سر الزقاق سوا. بقى بينهم رابطة غريبة… مريم كانت دايمًا بتفهمه من غير ما يتكلم، وكانت بتضحك من قلبها لما تحس إنه تعبان. وهو كان حاسس لأول مرة إنه مش لوحده، وإنه حتى لو الشارع ده طلع لعنة… وجودها معاه مخليه مش خايف. وفي يوم… الساعة عدّت نص الليل، وهما ماشين سوا… لقوا الزقاق. نفسه. المراية، الباب، واللافتة اللي مكتوب عليها: "شارع النسيان". مريم بصّت له وقالت: "أنا مش هسيبك تدخل لوحدك. نعدّي سوا، نخرج سوا." مسك إيدها، وهما الاتنين دخلوا الشارع. عمر ومريم دخلوا شارع النسيان، وكل حاجة اتغيرت حواليهم. الشارع كان شبه متجمد، كل شيء فيه واقف كأنه متسجل في لحظة… والهواء كان مليان طاقة غريبة، زي سحر قديم نايم بقاله قرون. في آخر الشارع، ظهر باب ضخم من الحجر، عليه نقوش بلغات مش مفهومة، لكن عمر حاس إنه فاهمها… ولما قرب، المفتاح اللي معاه بدأ ينور. مريم مدت إيدها لمفتاح تاني، كانت لاقياه زمان وهي صغيرة، لكن ماكنتش عارفة ليه دايمًا بتحس إنه مهم. لما حطوا المفتاحين مع بعض… الباب اتفتح، وخرج منه نور قوي جدًا… وبعدين ظهر كائن من ضباب أسود، صوته مرعب، وقال: "أنتم دخلتوا أرض النسيان… الأرض اللي فيها كل الذكريات المنسية، والندم، والخوف… لو قدرتوا توصلوا لنهاية المتاهة وتفكوا لعنتي… هتتحرروا، وإلا… هتنسوا نفسكم للأبد." مريم مسكت إيد عمر وقالت له: "إحنا مع بعض… مش هنخاف." بدأت رحلتهم في المتاهة. كل غرفة جواها كانت فخ: غرفة تشوف فيها أسوأ ذكرياتك وتحاول تخرج منها من غير ما تنهار. غرفة فيها نسخ شريرة منهم بيحاولوا يخدعوهم. لغز لازم يتحل بلغة قديمة بالسحر اللي في وشم مريم على إيدها… ماكانتش تعرف إنه سحر من الأصل. وبين كل تحدي وتاني، كانوا بيتقربوا أكتر. اللي بينهم بقى مش مجرد تعاون… بقى حب حقيقي بيتولد وسط الخطر. وفي آخر المتاهة، لقوا قلب كبير من نور… الكائن الظلامي قالهم: "القوة اللي تقدر تهزمني مش سلاح… هي الذكرى اللي مستحيل تنساها… لو قدرتوا تخلقوا ذكرى أقوى من الخوف… هتتحرروا." عمر قرب من مريم وقالها: "أنا اخترتك… ولو كل حاجة حوالينا ضاعت، إنتِ الذكرى اللي مش هقدر أنساها أبداً." مريم بكت وقالت: "وأنا مش بس فاكرة الشارع… أنا كنت بستناه، علشان أقابلك فيه." ومرة واحدة… الشارع بدأ ينهار… الكائن الظلامي صرخ، واختفى. والباب اللي اتقفل بقاله سنين… اتفتح للنور. خرجوا عمر ومريم من شارع النسيان، والناس كلها نايمة، والدنيا هادية… لكن هما كانوا عارفين إنهم اتغيروا، وإن في قوة جواهم عمرها ما هتروح. مسكوا إيد بعض، وبصوا لبعض، وقالوا: "إحنا مش بس انتصرنا… إحنا لقينا نفسنا."
*بوابة النسيان part 2*
مرت سنين على ما عمر ومريم خرجوا من شارع النسيان، وقرروا يسيبوا المدينة ويروحوا يعيشوا في بيت صغير على جبل هادئ. بيت بسيط، لكن كله دفء وضحك. كانوا بيصحوا على صوت العصافير، ويضحكوا على الحاجات الصغيرة… مريم كانت بتخاف من الفراخ، وعمر كان كل يوم ينده لها من ورا شجرة ويقول: "يا شيخة شوفي! فرخة بشنب!" فكانت تزعق وتحدفه بالجزمة. مرت سنتين وتلاتة، وحبهم كبر، وقرروا يتجوزوا. كانت فرحتهم مش عادية… حتى لما عمر لبس الجلابية بالمقلوب يوم الفرح وقال: "أنا كده أشيك منك يا مريم"، الكل ضحك وهي مسكته من ودنه. بعد سنة، ربنا رزقهم بولد، سموه آدم. كان هادي بطريقة غريبة، عنيه لونهم غريب، ما بيعيطش، وبيضحك من غير سبب. بس عمر قال: "ابني شكله بيحب الضحك… شبه أبوه برضه!" بس لما آدم كمل 7 سنين، بدأت الحاجات تتغير. كان بيقف قدام المرايات كتير، ويسأل أسئلة غريبة: "هو أنا كنت فين قبل ما اتولدت؟" وكان بيحلم كل ليلة بشخص بيكلمه ويقوله: "أنا مستنيك… انت مني." عمر بدأ يشك. ومريم قلبها كان بيخبط كل ما تبص في عيون آدم. وفي يوم، وهو بيلعب لوحده في الحديقة، الأرض تهزت تحته، وطلع من تحته خيال ضخم أسود… نفس طاقة الوحش اللي قابلوه زمان، لكن أضعف شوية. ظهر خيال في الهوا وقال: "كنتم فاكرينني اختفيت؟ لا… أنا سبت بذرتي في ابنكم." آدم بص لهم، وعينه اتحولت للون أحمر، وقال بصوت مزدوج: "أنا مش ابنكم… أنا وريث النسيان." مريم صرخت، بس عمر مسك إيدها وقالها: "ده مش ابننا دلوقتي… ده شيء تاني." ومن هنا بدأت المعركة التانية. كانوا بيحاولوا يفكروا إزاي يفصلوا روح الوحش عن آدم، جربوا سحر قديم، رجعوا شارع النسيان، دخلوا مكتبة الأرواح… حتى إنهم راحوا لدجال بيضحك كتير وقالهم: "أهو حلّها عندي… بس الأول شاي بالنعناع وطبق فشار!" ضحكوا غصب عنهم، بس قلبهم كان مكسور. في ليلة، الوحش سيطر بالكامل على آدم، وبدأ يفتح بوابة للظلام في بيتهم. مريم قالت: "لو البوابة اتفتحت، العالم كله هيضيع." عمر بص في عينيها، وقال: "أنا عارف إن النهاية قريبة… بس لازم نخلصه من ده… حتى لو ده معناه..." مريم نزلت دمعة، وقالت: "حتى لو ده معناه نودعه." دخلوا سوا للبوابة، ولقوا آدم واقف، جسده صغير بس روحه مش بتاعته. عمر قرب منه، وقاله بصوت هادي: "أنا بحبك يا ابني… بس أنا كمان لازم أحميك من اللي جواك." وكانت آخر لحظة. اتحدت قلوبهم، وقالوا تعويذة من كتاب الذكريات، اللي لقوه في المتاهة زمان، والتعويذة دي كانت لازم تنتهي بـ"فداء." عمر ومريم بصوا لبعض… وقالوا سوا: "إحنا بنختار نحميه… حتى لو ده معناه نخسره." والضوء غطى المكان. ولما اختفى… مفيش غير صوت هادي… وصورة لآدم، وهو نايم بهدوء… من غير ظلام، ولا عين حمرا، ولا لعنة. لكن عمر ومريم سابوا المكان، وماحدش شافهم تاني. ناس قالت راحوا عالم تاني، وناس قالت روحهم اتحولت لنجمين جنب بعض، بيظهروا في السماء كل ليلة. لكن في طفل صغير في المدينة، لما يشوف السما، بيضحك، ويقول: "النجمتين دول… شبه ماما وبابا وهم بيضحكوا عليا لما كنت بنط على الكنبة وأقع!"
*نهضه ضياء* *the end*
فتح آدم عينه على سقف رمادي مش مألوف، صوت أطفال بيعيطوا وصدى خطوات مشي خشن على البلاط. كان في ملجأ أيتام، ودايمًا حاسس إنه مش زي باقي الأولاد. كان دايمًا بيسأل نفسه: "أنا جيت هنا إزاي؟ وليه بحلم بحاجات غريبة عن ناس بيضحكوا وبيعيطوا في نفس الوقت؟" لما كمل 9 سنين، قرر يهرب، هرب من الملجأ، وبدأ يعيش في الشوارع، بين الأرصفة والحواري المكسّرة. نام في الكناين، وأكل من فُتات المطاعم، وكبر في الشارع القاسي اللي علمه إزاي يكون قوي، لكن فضل دايمًا حاسس إنه ناقصه حاجة. لما وصل 17 سنة، كان بقى شبه شبح ماشي في المدينة، شعره طويل، عينه شاردة، ودايمًا حاسس إنه في حاجة بترقبه. في يوم، وهو ماشي في زقاق ضلمة، سمع صوت بيهمس: "مالكش ضل… بس في ظل مستنيك!" وظهر قدامه كيان غريب… ظل بيتحرك لوحده، شكله مظلم، بس ليه شكل إنسان. حاول يجري، بس ظلُّه اتسحب ناحيته واتحد معاه، ومن ساعتها بدأ يسمع صوت تاني جواه. الكيان كان بيحاول يسيطر عليه، وكان بيصحى كل يوم يلاقي حاجات مكتوبة على الحيطان حواليه: ألغاز غريبة، زي "أنا لا أُرى في النور، لكني أسبقك كل يوم"، و"اكسر الصمت فتخسرني، احفظني فتربح نفسك". فضل يحلهم، وكل لغز بيحله، بيحس إن الظل بيضعف. وكان لازم يلاقي سبع ألغاز محفورة في أماكن مهجورة: واحد منهم على باب تليفون قديم، واحد في محطة قطر مهدودة، واحد تحت كوبرى، وكل مرة يحل واحد، بيظهر حرف من كلمة نسيها: "فداء". في اللغز الرابع، قابل ولد في نفس سنه اسمه إسلام، كان غريب شوية، دايمًا ساكت بس عينه حادة، وبيعرف يحل الرموز كأنها لعبته. إسلام ساعده يحل اللغزين الرابع والخامس، وبدأوا يبقوا شبه إخوات، وكان بيقول لآدم: "أنا يمكن ملقتش بيت… بس يمكن نخلص الطريق سوا." بعد ما حل السادس، الظل هاجمهم بشراسة، وحاصرهم في نفق مظلم، وقال لآدم: "لو عرفت السابع، هتموت زيهم!" آدم كان مرعوب، بس إسلام وقف وقال: "يمكن أنا ما أقدرش أكمل… بس إنت لازم تكمل." ودفع آدم برا الدائرة، ووقف مكانه، وقال للظل: "تعالى لي أنا… هو لسه عنده ضوء." وانفجر النفق بنور أسود، واختفى إسلام، وساب وراه بس قلادة فيها حرف "E". آدم وقع على ركبته، ودموعه نازلة، بس النور خرج من القلادة، وساعده يفهم اللغز السابع اللي كان محفور على صخرة: "اللي بتدور عليه… هو اللي بيشوفك." وفهم وقتها إن اللي كان بيهرب منه هو نفسه، وإن الظلام جواه مش لازم يختفي… لازم يتقبله. قال: "أنا آسف إني كرهتك… بس أنا مش ههرب تاني." ومن هنا الظل انفصل عنه، ووقع على الأرض زي دخان بيتبخر. وبعدها، وهو معدي جنب محل مهجور، شاف مراية كبيرة مرمية. قرب منها، لقى صورة بنت جميلة جواها، بتقوله: "مش نفسك… أنا حقيقتك." ولما حاول يبعد، المراية شقّت نفسها وخرجت منها سيدة المرايا، طويلة، بدون وجه، وشعرها بيطير في الهوا، وبدأت تحاصره بصور مزيفة عن حياته. ورّتُه إنه السبب في موت أهله، وإنه شيطان في شكل بشر. كان بيصرخ ويقول: "دي مش حياتي! دي مش حقيقتي!" وفجأة، المراية اتكسرت، وظهر نور من قلبه طردها. عرف وقتها إنه فيه حاجة جواه… حاجة قديمة، أقوى من أي كائن. بدأ رحلته يدور فيها عن إجابات، وكان دايمًا صوته الداخلي بيقوله: "كمل… النهاية مش هنا." وفي يوم، وهو قاعد تعبان قدام سور مدرسة قديمة، شاف اتنين طالعين منها… راجل وست، ضحكتهم مألوفة، الست قالت للراجل: "مش تسيبك من المقالب؟" والراجل رد: "دي وراثة… ابننا أكيد بيعمل أكتر!" آدم وقف، عينه دمعت، وقال: "ماما؟ بابا؟" الاتنين بصوا له، وصرخوا من الفرحة، جريوا عليه وحضنوه، وقالوا: "كنا بندور عليك سنين!" اكتشف إنهم كانوا أحياء، لكن فقدوه بعد المعركة، والملجأ أخده من غير ما يعرفوا مكانه. فضلوا يدوروا عليه، لحد ما القدر جمعهم. عاشوا سوا من تاني، ضحكوا، واتنططوا، عمر رجع يقلد صوت فرخة بشنب، ومريم كانت بتزعق وتقول: "لسه مجنون زي زمان!" وآدم كان بيضحك من قلبه، لأول مرة من سنين، وهم التلاتة كانوا ماشيين تحت السما، والنجم اللي كان بيطلع زمان بقى بيشاور عليهم، مش بيحكي عنهم.
*قلعة السر الاخير*
استيقظ آدم في صباح بدا هادئًا، لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. نادى بصوت خافت وهو يتجول بين الغرف: "ماما؟ بابا؟" لكن لم يرد أحد. جال في المنزل من أوله لآخره، ولم يجد أثرًا لهما. اختفيا… وكأنهما لم يكونا موجودين أصلًا.
في المساء، جلس آدم وحده في صمت غريب. وبينما كان يتصفح رف الكتب القديم في غرفة أبيه، سقطت ورقة مهترئة من بين صفحات كتاب جلدي قديم. التقطها وقرأ بخط مميز:
"إذا اختفينا مجددًا، فاذهب إلى زقاق النسيان."
وفجأة، ومع قراءة العبارة، انفتحت بوابة سحرية أمامه، خرجت منها مريم وهي متعبة لكنها واقفة بثبات، كعادتها.
قال آدم باندهاش: "ماما!"
أمسكت بيده وقالت: "اسمعني كويس. اللي حصل النهاردة حصل قبل كده. لما كنت لسه صغير، أنا وباباك اختفينا ليوم كامل. كنا في زقاق النسيان… هناك ظهر وحش… هاجمنا، عمل حاجة غريبة في جسم أبوك، بس قبل ما يكمل عليه ضربته بكل قوتي على رأسه… فاختفى. لما باباك اختفى النهاردة، قلبي قالّي إن في شيء اتكرر."
نظرت له بجدية وأضافت: "لازم نفتح البوابة تاني… بس نحتاج كتاب السحر."
أومأ آدم بحزم، وقال: "يلا نبدأ."
توجها معًا إلى المدينة، إلى المكتبة القديمة التي كانت تحتفظ بنسخة من كتاب السحر، لكن المفاجأة أن الرف كان خاليًا. لا أثر للكتاب. سألوا أمين المكتبة، فلم يكن يعرف شيئًا.
بدأت رحلتهما عبر المدن السحرية المهجورة، وهناك صادفا ساحرًا غريب الشكل، وجهه مخفي، لكنه أخبرهم:
"الكتاب لا يُهدى… بل يُكتشف. عليكم أن تحلوا سبعة ألغاز مخفية عبر أماكن متفرقة في هذا العالم."
خاض آدم ومريم سلسلة تحديات قاسية، كل لغز يكشف شيئًا عن النفس، عن الخوف، الأمل، النسيان، والجرأة. بعد اللغز السابع، ظهرت خريطة سحرية تقود إلى مغارة عميقة داخل جبل.
في عمقها، وجدوا الكتاب محفوظًا داخل ضوء أزرق. أخذوه، لكن حين عادوا لبيت الساحر ليسألوه عن الصفحة الناقصة، وجدوا أن البيت اختفى، وكذلك الساحر.
بينما هما يحاولان التفكير في حل، بدأت القلادة التي يحملها آدم، والمحفور عليها حرف E، تصدر ضوءًا قويًا. وفجأة، خرجت منها ورقة مضيئة… الصفحة الناقصة!
صرخت مريم: "إسلام! الصفحة دي بتتكلم عنه!"
فتحوا البوابة باستخدام الصفحة، وانفتحت أمامهم أرض رمادية اللون، في وسطها ميدان، يقف فيه إسلام، يحارب وحشًا ضخمًا.
كان الوحش مظلمًا، طويلًا، يملك عيونًا تشع بالحزن والقصص. إنه راوي الليل.
ركض آدم فورًا للانضمام إلى المعركة، وبدأ الهجوم، لكن الوحش لم يتأثر بأي ضربة.
صرخت مريم: "استنوا! الوحش ده مش بيتأذى! لازم نكتشف نقطة ضعفه!"
تقدم إسلام وهو يتحدث بصوت مرتجف: "أنا كنت وحيد دايمًا… مش لاقي مكان أنتمي ليه… مش عارف حتى أنا مين."
وبينما يتكلم، بدأ جسد الوحش يهتز.
قال آدم: "كنت طفل يتيم بيتضرب ويتبهدل كل يوم… بس علموني أقف على رجلي بنفسي."
أضافت مريم: "أبويا كان بيضربني كل يوم… ييجي سكران ويطردني من البيت… بس عشت، وبقيت قوية."
أصدر الوحش صرخة مدوية، ثم انهار وسط دوامة من الذكريات المتناثرة.
بعدها، ظهرت قلعة ضخمة، واقف أمامها وحش ضخم جدًا، اسمه حارس القلعة. كان ضخمًا كجبل، يحمل مطرقة حجرية بحجم شجرة.
بدأت معركة شرسة، قاتل فيها الثلاثة، لكن الوحش كان أقوى مما توقعوا. أصيب إسلام في ساقه إصابة بالغة، وسقط أرضًا.
صرخ: "كمل أنت يا آدم!"
أمسك آدم السيف السحري الذي أعطاه له الساحر، ودخل في معركة دامية، حتى سقط الحارس العملاق بعد جهد طويل.
دخلوا القلعة، وفي منتصفها وجدوا جهازًا غريبًا، يتصل بجسد عمر، الغارق في سبات عميق.
فتحوا كتاب السحر، وظهرت رسالة:
"لن تفتحوا الجهاز إلا إذا هزمتم الماضي."
فُتح باب خلفي، ودخلوا ممرًا مظلمًا، وفي نهايته وقف وحش أخير… مرآة الماضي.
قال لهم الوحش بصوت هادئ لكن مخيف: "إن أردتم تحريره… فحرروا أنفسكم أولًا."
تقدمت مريم، وواجهت ماضيها: صورة والدها وهو يضربها، وحدتها، ليالي الجوع والخوف. لكنها وقفت، وقالت: "أنا مش الضحية… أنا مريم، اللي وقفت على رجلي."
ثم دخل آدم، ورأى ذكريات الملجأ: الضرب، الجوع، الجفاف، أطفال يصرخون، أصوات تنادي بلا رد. لكنه صرخ عاليًا: "أنا آدم… مش هفضل مكسور طول عمري!"
ثم جاء دور إسلام… لكنه لم يرَ شيئًا. فقط ظلام.
همس: "أنا… مفيش عندي ماضي. ولا حتى أعرف أنا ليه هنا."
وفي اللحظة دي، بدأ الوحش يضعف. انفجر صوته وهو يصرخ: "أنا كنت إنسان… كنت بحب، لكن ماحدش حبني… اتحولت لوحش من كتر القهر."
لم يتحمل ماضيه هو الآخر. انفجر، واختفى.
انفتح الجهاز، وخرج عمر يتنفس بصعوبة، وقال: "لازم نمشي بسرعة!"
ركضوا للخارج، وبينما هم في طريقهم للبوابة، توقفت مريم فجأة، وقالت: "إسلام؟!"
التفتوا جميعًا… لم يكن هناك أحد. لا إسلام… ولا القلعة. كأنها لم تكن موجودة أبدًا.
عادوا لحياتهم، لكن لم ينسوا أبدًا من ضحى لأجلهم.
آدم، كلما مر بجانب القلادة التي احتفظ بها، كان يهمس: "مش هانساك يا إسلام… حتى لو اختفيت من الدنيا كلها."