جلستُ أراقبها من بعيد، وهي تحدق عبر الزجاج نحو عالم لا أراه. كانت الشمس الغاربة تُطلي خصلات شعرها البني بلمسات ذهبية، لكن النور الحقيقي كان ينبع من داخلها. في عينيها الواسعتين، لمعت حكايات لم تُروَ، وأسرار لم تُكشف. كانت تحمل في صمتها لغزاً يجعل من كل شيء عاديّ حولها باهتاً. تساءلتُ عمّا تراه هناك، وراء النافذة، في ذلك الأفق البعيد. هل كانت ترسم أحلاماً؟ أم تستذكر ذكريات؟ كل ما عرفته في تلك اللحظة هو أنني أقف أمام سرٍّ متجسّد. وبدا لي أن النافذة لم تكن فاصلاً بينها وبين الخارج، بل كانت مرآة تعكس عالماً كاملاً في داخلها.
مرت الأيام، وأصبحت مراقبتي لها عادة سرية. لم أتجرأ على الاقتراب، خائفاً أن أحطم ذلك الهيكل الساحر الذي نسجته حول نفسها. كانت تختفي دائماً في نفس الوقت، عند الغسق، وتعود عند سقوط الليل التام. تساءلت: أين تذهب؟ ولماذا تعود دائماً بعينين أكثر بعداً، وأعمق غموضاً؟
ذات مساء، خرجت بعد أن تركت النافذة مفتوحة. اندفعت بداخلي رغبة جامحة لا أقاومها. اقتربت من النافذة، ونظرت إلى الداخل. كانت الغرفة بسيطة بشكل مؤلم: سرير، مكتب، ورفّ كتب نصفه فارغ. لكن على المكتب، بجوار مصباح زيتي قديم، وُجد دفتر جلده بالٍ. كان مفتوحاً على صفحة مليئة بالرسوم.
ليست رسوماً عادية. كانت خطوطاً متشابكة من الحبر الأسود والأزرق، تشكل خرائط لأماكن لا تنتمي لهذه المدينة. جبال ذات قمم مسننة بشكل غير طبيعي، وأنهار ترسم مسارات هندسية دقيقة. وبين تلك الخطوط، كلمات مبعثرة وكأنها شيفرة: "البوابة تفتح عند اكتمال القمر الثالث"، "الحراس ينامون عند منبع النهر الهادر".
سمعت صوت خطوات في الخارج. ارتبكت وتراجعت بسرعة، مختبئاً في الظلال. رأيتها تعود، لكنها لم تكن وحدها. كان بجانبها رجل عجوز يحمل عصا منحوتة برموز غريبة، تشبه تلك في دفترها. توقفتا تحت ضوء القمر المتسلل بين السحاب. سمعت همساتهما الخافتة.
"... يجب أن تكون جاهزة، الوقت يقترب."
"لكن كيف أترك كل شيء؟"كان صوتها خافتاً، يحمل تردداً وحزناً.
"لقد اخترتِمنذ زمن بعيد. العالم هناك يحتاج إليك. ذكرياتك الحقيقية تنتظر."
شعرت بقلبي ينقبض. من هي؟ وأي عالم تتحدثان عنه؟ شاهدت العجوز يضع في يدها حجراً صغيراً يتلألأ بضوء باهت من داخله، ثم ينصت بعيداً في الظلام، تاركاً إياها وحدها تحت القمر.
عادت إلى غرفتها، وأغلقت النافذة هذه المرة. لكن قبل أن تبتعد، التقت عيناي بعينيها لثانية عبر الزجاج. لم تكن نظرة اندهاش أو غضب، بل كانت نظرة اعتراف حزين، كأنها تقول: "أنت تعرف الآن جزءاً من الحقيقة، ولا مفر من أن تعرف الباقي."
منذ تلك الليلة، لم تعد تجلس عند النافذة. بدأت أرى الضوء يخفت في عينيها يوماً بعد يوم، كشمعة تذوب. وأنا هنا، أحمل سراً لا أفهمه كاملاً، وأتساءل: هل كنت شاهدا على وداع، أم على بداية رحلة لا يعرفها أحد؟ وفي داخلي، إحساس غريب بأن تلك النافذة لم تكن مجرد مرآة لعالمها، بل ربما كانت نافذتي أنا أيضاً إلى شيء أكبر مما كنت أتصور.
وفي داخلي، إحساس غريب بأن تلك النافذة لم تكن مجرد مرآة لعالمها، بل ربما كانت نافذتي أنا أيضاً إلى شيء أكبر مما كنت أتصور.
بدأ الشق يتسع في واقعي المعتاد. لم أعد أستطيع النظر إلى شارعنا الضيق، أو إلى سماء المدينة الملوثة بالأضواء، بنفس العينين. كل شيء بدا كقشرة رقيقة تخفي تحتها نسيجاً آخر. صرت أبحث في الكتب القديمة، في الأساطير المنسية، عن أي ذكر لتلك الرموز التي رأيتها في دفترها. وجدت تشابهاً مقلقاً مع خرائط الملاحنين القدماء الذين تحدثوا عن عوالم "موازية"، أو "طبقات من الحقيقة" تتجاوز إدراكنا.
ذات ليلة، عند اكتمال القمر الثالث كما ذكر في الدفتر، لم أستطع مقاومة الدفع. تسللت نحو منزلها المهجور الآن. كانت النافذة مفتوحة على مصراعيها، تهب منها نسمة باردة تحمل رائحة أرض غريبة، رطبة وغنية، كرائحة غابة بعد عاصفة. على حافة النافذة، وقعت عيني على الحجر المتلألأ الذي أعطاه إياها العجوز. كان دافئاً عند لمسه، ونبضاته الخفيفة تناغمت مع دقات قلبي المتسارعة.
رفعته تجاه ضوء القمر، وفجأة، لم يعد المشهد من النافذة مشهد الشارع النائم. رأيت وادياً من الفضة تحت سماء مرصعة بنجوم لم أرها من قبل، يتوسطه نهر يتدفق بصمت مطبق. وعلى الضفة البعيدة، وقفت هي. التفتت نحوي ببطء، وكأنها كانت تنتظر. لم تبتسم، لكن عينيها لم تعدا تحملان ذلك الحزن القديم. حملتا دعوة صامتة، وتحدياً، ومصيراً.
سقط الحجر من يدي المرتعشة، وعاد مشهد الشارع المألوف. لكن الصورة التي انطبعت في عيني لم تختفِ. وأدركت، في ذلك اللحظة، أن الملخص الذي راودني عنها كان مجرد سطر افتتاحي. والفصل الذي بدأته بمراقبتي السرية لم ينتهِ بانصرافها. لقد انتقلت البطولة إليّ، دون أن أعرف حكايتي نفسي. النافذة لا تزال مفتوحة، والرياح القادمة منها تحمل همساً بسؤال واحد: هل لديّ الشجاعة لأخطو عبر المرآة؟
والوقت، مثل القمر، يكتمل في دوراته، ولا يعود. عليّ أن أقرر.
لا.
هذه الكلمة دارت في رأسي كالصدى.
لا للهرب عبر نوافذ الغير.لا لمصير مُعلَب يُقدم كهدية غامضة. حجري أنا ليس في جيبها القديم، بل هنا، في صدر يخفق بخوفه وأسئلته العادية. أحلامي ليست في أودية فضية، بل في ضوء الصباح الذي يلامس وجهي كل يوم.
التقطت الورقة التي رسمت عليها، ومزقتها إرباً. شظايا الخطوط والأسرار الطموحة تبعثرت في سلة المهملات، حيث تليق. فتحت نافذتي على مصراعيها، واستنشقت هواء المدينة الدافئ المحمل بأصوات الحياة: بائع الجرائد، أبواق السيارات، ضحكة أطفال من بعيد. هذه هي موسيقاي.
خرجت من غرفتي، نزلت الدرج، وفتحت باب البيت. الشمس كانت ساطعة. مشيت في الاتجاه المعاكس تماماً للمنزل المهجور. نحو المقهى الذي أرتاده كل صباح، نحو صديقي الذي ينتظرني دائمًا بشكواه من العمل، نحو أمي التي ستسألني عما أريد لتناول الغداء. نحو الحياة التي، رغم كل عاديتها، تظل لغزي الوحيد الذي اخترت أن أحله.
في الطريق، مررت بجانب رصيف كان يبيع فيه رجل عجوز بضاعة قديمة. بين الأغراض، لمع شيء مألوف. كان دفتراً بغلاف جلد بالٍ، يشبه إلى حد غريب دفترها. توقفت للحظة، ثم ابتسمت وواصلت سيري. لم ألتفت.
لن أكون بطل قصة أحد. سأكون بطل قصتي. والنافذة الوحيدة التي سأتطلع عبرها هي عيناي أنا.
المقهى كان كما هو دائماً. رائحة البن الثقيلة تملأ الهواء، وزجاج النوافذ مغبش ببصمات الأصابع وأثر أنفاس الزبائن. صديقي، خالد، كان يلوح لي من زاويته المعتادة، وجهه يعكس الانزعاج المعتاد من مديره في العمل.
· "تخيل يقول لي إن التقرير ليس جيداً كفاية!" بدأ شكواه قبل حتى أن أجلس.
أخذت مقعدي، وطلبت قهوتي. أصغيت إليه وأنا أراقب دخان القهوة يتصاعد كروح خفيفة. كانت كلماته، شكواه العادية، تبدو اليوم كأنشودة مألوفة وثمينة. لم يكن هناك عوالم موازية هنا، ولا خرائط مخفية. فقط إنسان يشاركك همومه اليومية.
عدت إلى البيت في المساء. في غرفتي، نظرت إلى نافذتي. لم تعد مجرد إطار لجدار خرساني. رأيت فيها انعكاس مصباح الغرفة الدافئ، وصورة عائلية على الرف، وظل كتبي المفضلة. هذه كانت تفاصيل عالمي. هذه كانت خرائطي.
قبل أن أنام، أخرجت الحجر المتلألأ من جيبي. وضعه على المنضدة، تحت ضوء المصباح المباشر. توقعت أن يثير فيني الحنين أو الشك. لكن كل ما شعرت به كان سلاماً غريباً. لمعاته الخافتة لم تعد تبدو كنداء، بل كتحية وداع. كأنه يقول: "لقد وجدت طريقك. وهذا يكفي."
في الصباح التالي، مررت من أمام المنزل المهجور. النافذة كانت مغلقة. لم أشعر بأي فضول. كنت أعرف أن لكل شخص رحلته، ولنافذته سره. وأنا اليوم أملك نافذتي الخاصة، وأرى من خلالها ما يكفي لأعيش، لا لأهرب.
الحجر؟ تركته على طاولة في الحديقة العامة. ربما سيحمل لغزه لشخص آخر، يحمل حلمه الخاص. أما أنا، فقررت أن أحلم بأشياء من لحم ودم، يمكن أن تلمسها يداي. أن تكون حياتي، بعادتها وجمالها الخفي، هي الفصل الأخير والأول في نفس الوقت. الفصل الذي أختاره أنا، بكامل إرادتي، وبكل كلماته العادية الرائعة.