sqral3rb

Share to Social Media

الظل (الجزء الأول)
📖 قصة الظل
الفصل الأول: المطر الذي لا يغسل الدم
لم يكن المطر في تلك الليلة مجرد طقس عابر، بل كان أشبه بستارة كثيفة تسدلها السماء لتخفي جريمة أخرى.
الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة فجرًا عندما رن هاتف أنطونيو.
لم يحتج إلى النظر إلى الشاشة.
الحدس وحده كان كافيًا.
ارتدى معطفه الداكن، وغادر شقته دون أن يشعل الضوء.
كان يعرف الطريق جيدًا.
ليس إلى مسرح الجريمة فقط… بل إلى الشعور الذي ينتظره هناك.
الشارع كان شبه خالٍ، وأضواء السيارات تنعكس على الإسفلت المبلل كأنها شقوق من نار باردة. عندما وصل، كان الشريط الأصفر يحيط بالبناية القديمة، وضباط الشرطة يتبادلون النظرات الثقيلة.
صعد السلالم ببطء.
في الداخل، كانت الجثة ممددة على الأرض، رجل في الأربعينيات، عيناه مفتوحتان تحدقان في سقف لا يملك إجابات.
لا آثار مقاومة.
لا كدمات.
لا فوضى.
وكأن الموت جاءه بهدوء… أو كان ينتظره.
اقترب أنطونيو من الحائط المقابل للجثة.
وهناك كانت الكلمات.
"الظل يراك."
الخط هذه المرة بدا أكثر توترًا، أكثر ضغطًا، كأن الكاتب كان غاضبًا.
لكن ما شد انتباهه لم يكن العبارة.
أسفلها، رسم صغير لطفل يمسك يد رجل طويل.
أنطونيو شعر بأن الهواء أصبح أثقل.
طفل.
يد.
ظل طويل.
ذكريات بعيدة حاولت أن تطفو، لكنه دفعها بقوة إلى الأعماق.
انحنى ليفحص الأرضية.
شيء أسود صغير عالق بين شقوق البلاط.
فحم.
ابتسم ابتسامة باهتة.
القاتل لا يترك بصمات… لكنه يترك ظلًا.
وقبل أن يغادر الغرفة، لاحظ شيئًا آخر.
على طرف المرآة القريبة من الباب، كُتبت كلمة بخط خافت، بالكاد يُرى:
"اقترب."
شعر بشيء يشبه الدعوة.
أو التحدي.
وفي طريق عودته، حين نظر إلى انعكاسه في نافذة السيارة، لثانية خاطفة… أقسم أنه رأى خلفه ظلًا لا يتحرك مثله.
الفصل الثاني: عيون لا تنام
دخلت جوليا حياته كما يدخل الضوء غرفة مغلقة فجأة.
لم تكن طويلة القامة، ولا صارخة الحضور، لكن عينيها… كانتا من النوع الذي لا يفوّت شيئًا.
وقفت أمام مكتبه في صباح رمادي، تحمل ملفًا سميكًا.
قالت بهدوء:
"أنت تبحث عن قاتل… وأنا أبحث عن قصة."
رفع عينيه إليها ببرود مهني.
الصحفيون غالبًا ما يزعجون التحقيقات.
لكنها لم تكن تبحث عن سبق صحفي.
فتحت الملف أمامه.
صور قديمة.
تقارير مالية.
نسخ من شكاوى مجهولة.
"كل الضحايا الثلاثة عملوا في مؤسسة سان ماركو الخيرية قبل عشرين عامًا."
توقف قلبه لحظة.
سان ماركو.
الدار التي نشأ فيها.
الدار التي اختفى منها أخوه.
حاول أن يحافظ على ملامحه ثابتة.
"هذا ليس دليلًا على شيء."
أجابت بثقة:
"ليس بعد. لكن هناك اختفاءات لم يُحقق فيها. أطفال… سجلاتهم محذوفة."
مدت له صورة.
مجموعة أطفال يقفون في ساحة ترابية.
بعضهم يبتسم.
بعضهم يبدو خائفًا.
في الصف الخلفي، طفلان متشابهان إلى حد كبير.
أنطونيو شعر بصداع حاد.
هو… وأخوه.
لكن الصورة لم تكن كما يتذكرها.
في الزاوية اليمنى، خلفهم، ظل رجل طويل يمتد رغم أن الشمس كانت عمودية.
جوليا راقبت صمته.
"أنت تعرف هذا المكان، أليس كذلك؟"
لم يجب.
لكن داخل صدره، شيء قديم بدأ يتحرك.
شيء لم يكن يريد أن يستيقظ.
الفصل الثالث: شقوق الذاكرة
في شقته تلك الليلة، جلس أنطونيو في الظلام.
لم يشعل الأنوار.
الظلام كان مألوفًا أكثر.
وضع الصورة أمامه على الطاولة.
أخذ يحدق في وجهي الطفلين.
كانا متشابهين إلى درجة مربكة…
لكن أحدهما يبتسم.
والآخر لا.
حاول أن يتذكر آخر ليلة رأى فيها أخاه.
تذكر صراخًا مكتومًا.
تذكر بابًا يُغلق بعنف.
تذكر يدًا تُمسك بيده بقوة.
ثم فراغ.
قام فجأة، واتجه إلى الحمام.
فتح الماء البارد، وغسل وجهه.
عندما رفع رأسه نحو المرآة…
للحظة قصيرة جدًا،
لم يكن الانعكاس متزامنًا.
رمش.
عاد كل شيء طبيعيًا.
ضحك بسخرية من نفسه.
إرهاق فقط.
عاد إلى غرفة المعيشة.
لكن عندما جلس، لاحظ شيئًا على الطاولة.
ورقة صغيرة لم تكن هناك قبل دقائق.
مكتوب عليها بخط أسود:
"لا تثق بها."
جوليا؟
اقترب من الورقة.
الخط… يشبه خطه.
لكنه لا يتذكر كتابتها.
صمت ثقيل ملأ الغرفة.
وفي الخارج، توقف المطر.
لكن في الداخل،
بدأ شيء آخر يتساقط.
الفصل الرابع: مسرح الجريمة لا يكذب
عاد أنطونيو إلى مسرح الجريمة بعد مغادرة الجميع تقريبًا.
لم يكن يؤمن بالحظ، بل بالتفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الآخرون.
طلب من فريق الأدلة الجنائية إعادة فحص الجدار.
"لا أريد تحليل الخط فقط. أريد تحليل الضغط، اتجاه الحركة، كمية الفحم."
الفني رفع حاجبه باستغراب، لكنه نفّذ.
النتيجة جاءت مثيرة:
الفحم المستخدم ليس عاديًا.
يحتوي على نسبة كبريت عالية، تُستخدم غالبًا في ورش النجارة القديمة.
اتجاه الكتابة يشير إلى أن الكاتب أعسر.
أنطونيو ليس أعسر.
دوّن الملاحظة.
ثم انتقل إلى الجثة.
تقرير الطب الشرعي الأولي أشار إلى توقف مفاجئ للقلب.
لا سموم واضحة في التحاليل السريعة.
لكن أنطونيو لاحظ نقطة صغيرة خلف الأذن.
وخز دقيق.
"أعيدوا تحليل الدم بحثًا عن مركبات عصبية نادرة. شيء سريع التحلل."
كان القاتل نظيفًا… لكن ليس مثاليًا.
الفصل الخامس: شبكة العلاقات
في المكتب، علّق صور الضحايا الثلاثة على اللوح الأبيض.
رسم خطوطًا تربط بينهم.
الاسم.
المهنة.
العلاقات المالية.
النتيجة:
الثلاثة كانوا أعضاء في مجلس إدارة سابق لمؤسسة سان ماركو.
لم يكونوا مجرد موظفين.
كانوا أصحاب قرار.
طلب سجلات التحويلات البنكية.
بعد ساعات، ظهرت دفعات مالية كبيرة قبل عشرين عامًا، موجهة إلى شركة أبحاث خاصة.
اسم الشركة: "أوريون للاستشارات الطبية".
الشركة أغلقت بعد عامين من تأسيسها.
لكن عنوانها القديم ما زال مسجّلًا.
مستودع مهجور في المنطقة الصناعية.
الفصل السادس: المستودع
دخل الفريق المكان بعد استصدار إذن تفتيش.
الغبار كثيف.
الملفات محروقة جزئيًا.
لكن في غرفة خلفية، وجدوا خزانة معدنية مغلقة.
داخلها:
أجهزة طبية قديمة
سجلات تجارب تحمل أرقامًا بدل أسماء
قائمة بحالات مصنفة:
سلوك عدواني
انفصال عاطفي
استجابة منخفضة للألم
وفي أسفل القائمة:
الحالة رقم 27 — "قابل للتطوير".
تجمّد أنطونيو.
هذا رقمه القديم في الدار.
لكن هناك رقمًا آخر مكررًا:
الحالة 28.
نفس تاريخ الميلاد.
الفصل السابع: الاستجواب
استدعى أنطونيو المحاسب السابق للمؤسسة.
الرجل كان متوترًا.
"لم نكن نعلم التفاصيل… كانوا يقولون إنها برامج إعادة تأهيل."
"من كان يشرف مباشرة؟"
تردد.
"طبيب اسمه رافاييل… لكنه لم يكن يعمل وحده. كان هناك طفل مميز… يعتمد عليه في تهدئة الآخرين."
"طفل؟"
"كان هادئًا جدًا… لكن عينيه لم تكونا طبيعيتين."
عرض أنطونيو صورة قديمة.
أشار المحاسب إلى الطفل الذي لا يبتسم.
"هذا."
الفصل الثامن: نتيجة السم
التحاليل المتقدمة ظهرت.
المادة المستخدمة في القتل:
مركب عصبي تجريبي يسمى VX-Delta.
مشتق معدل من مواد قديمة استُخدمت في تجارب سلوكية.
هذا النوع لا يتوفر إلا في مختبرات بحثية محدودة.
بحث سريع أظهر أن أحد الضحايا الثلاثة كان يملك براءة اختراع قديمة في مجال المواد العصبية.
القاتل لا ينتقم عشوائيًا.
هو يعيد استخدام أدواتهم ضدهم.
الفصل التاسع: كاميرات المدينة
راجع أنطونيو تسجيلات الكاميرات حول مسرح الجريمة.
شخص بغطاء رأس داكن دخل المبنى قبل ساعة من الوفاة.
لم يظهر وجهه.
لكن طريقة المشي…
كان يجر قدمه اليسرى قليلًا.
راجع ملفاته القديمة.
حادث شجار في دار الأيتام.
طفل أُصيب في ساقه اليسرى.
الحالة رقم 28.
الفصل العاشر: تضييق الدائرة
استخدموا برنامج تحليل المشي لمقارنة حركة المشتبه به مع لقطات قديمة.
نسبة التطابق: 87%.
لكن لا توجد سجلات رسمية للحالة 28 بعد اختفائه.
كأنه لم يوجد أبدًا.
إلا أن هناك إشارة واحدة:
بلاغ قديم قبل 15 عامًا عن مشرد عولج من كسر قديم في الساق اليسرى.
اسم مستعار.
العنوان: قريب من دار الأيتام.
الفصل الحادي عشر: الطُعم
قرر أنطونيو نشر خبر كاذب للصحافة:
"الشرطة عثرت على أدلة تقود لاسم طبيب سابق."
إذا كان القاتل يراقب، فسيتحرك.
وفي الليلة التالية، حاول شخص اقتحام شقة أحد الشهود القدامى.
تمكنت دورية قريبة من مطاردته.
لكنه هرب في الأزقة.
ترك خلفه قفازًا.
داخله… دم.
الفصل الثاني عشر: الحقيقة البيولوجية
تحليل الحمض النووي للقفاز:
تطابق جزئي مع أنطونيو بنسبة 50%.
هذا لا يحدث إلا في حالة قرابة مباشرة.
أخ.
توأم.
أو أب.
لكن الأب متوفى.
بقي احتمال واحد.
الحالة 28 لم يمت.
الفصل الثالث عشر: المواجهة الأولى
وصلتهم رسالة مشفرة إلى بريد الشرطة:
"أنقذته… وتركتني."
مرفق معها إحداثيات.
ذهب أنطونيو وحده.
في الدار المهجورة.
صوت خطوات في الظلام.
ثم خرج رجل من الظل.
نفس الملامح.
ندبة قديمة على الساق.
قال بهدوء:
"تأخرت عشرين سنة يا أخي."
الفصل الرابع عشر: في قلب الدار
الدار المهجورة لم تتغير كثيرًا.
الرطوبة ما زالت في الجدران،
والهواء مشبع برائحة حديد قديم وذكريات لم تُدفن.
وقف أنطونيو في القاعة الرئيسية، مسدسه منخفض لكن جاهز.
من الظل خرج الرجل.
لم يكن شبحًا.
لم يكن هلوسة.
كان نسخة أكبر سنًا من نفسه.
نفس ملامح الفك.
نفس العينين… لكن بلا تردد.
"تأخرت عشرين سنة يا أخي."
صوت هادئ. محسوب.
لم يرفع يديه للاستسلام.
لم يبدُ خائفًا.
أنطونيو حافظ على نبرة رسمية:
"اسمك."
ابتسم الرجل.
"أنت تعرفه."
صمت ثقيل.
"لماذا الآن؟" سأل أنطونيو.
"لأنهم بدأوا يموتون طبيعيًا. العدالة كانت ستضيع."
الفصل الخامس عشر: منطق الانتقام
جلسا متقابلين في القاعة المظلمة.
لم يكن حوار عاطفيًا.
كان أقرب لاستجواب بين محقق ومتهم.
الأخ شرح كل شيء بدقة باردة:
بعد الحادثة في الدار، اعتُبر هو "غير قابل للإصلاح".
استُخدم في تجارب عزل عصبي أقسى.
هرب أثناء حريق صغير في المختبر الخلفي.
عاش متخفيًا لسنوات، يراقب.
"لم أكن أريد قتلك. كنت أريدك أن ترى."
"ترى ماذا؟"
"أن العدالة الرسمية لا تعاقب أمثالهم."
أخرج أنطونيو الأصفاد ببطء.
"أنت متهم بثلاث جرائم قتل مؤكدة."
رد الأخ بهدوء:
"وأنت متأكد أنك تعرف كل شيء؟"
الفصل السادس عشر: الفخ
في اللحظة التالية، انطفأت الأنوار فجأة.
صوت انفجار صغير — قنبلة دخان منزلية الصنع.
تحرك أنطونيو بسرعة، غطى فمه، تقدم نحو مصدر الصوت.
لكن الأخ كان قد درس المكان جيدًا.
مخارج خلفية.
ممر قديم يؤدي إلى القبو.
فتحة تصريف تُفتح من الداخل فقط.
سمع خطوات بعيدة.
ركض.
وصل إلى الباب الخلفي في الوقت الذي كانت فيه سيارة دراجة نارية تنطلق من الزقاق.
أطلق رصاصة تحذيرية.
أصابت المرآة الجانبية فقط.
اختفى في الضباب.
الفصل السابع عشر: الأدلة المتبقية
عادت الشرطة.
تم تفتيش المكان بالكامل.
لم يترك الأخ فوضى.
لكن أنطونيو وجد شيئًا واحدًا في القبو:
ملف قديم.
ليس عن الضحايا.
عن أنطونيو نفسه.
صور حديثة له في عمله.
جدول تحركاته.
ملاحظات مكتوبة بخط دقيق:
"لا يزال يثق بالنظام."
"لا يزال يحاول أن يكون بطلاً."
وفي الصفحة الأخيرة:
"لن أقتله. سأجعله يفهم."
الفصل الثامن عشر: المدينة المليئة بالظلال
مرت ثلاثة أشهر.
أُغلقت القضية رسميًا تحت بند:
"مشتبه به فار من العدالة."
الصحافة فقدت الاهتمام تدريجيًا.
المدينة عادت لروتينها.
لكن في مكتب أنطونيو، بقي اللوح الأبيض كما هو.
صورة الضحايا.
صورة الدار.
فراغ مكان صورة المشتبه به.
لا اسم رسمي.
لا شهادة وفاة.
لا جثة.
فقط تطابق حمض نووي جزئي… وذاكرة مشتركة.
في إحدى الليالي، بعد انتهاء دوامه، تلقى رسالة على هاتف غير مسجل.
رقم خاص.
فتحها.
صورة حديثة لمبنى حكومي كبير في مدينة أخرى.
أسفل الصورة عبارة قصيرة:
"القائمة أطول مما تتخيل."
توقف قلبه لحظة.
الأخ لم يكن يهرب.
كان ينتقل.
أغلق الهاتف ببطء.
نظر إلى انعكاسه في نافذة المكتب.
هذه المرة، لم يكن هناك ظل إضافي.
لكن الشعور بقي.
القضية لم تنتهِ.
هي فقط… اتسعت.
وأدرك أنطونيو أن مطاردته لن تكون لقاتل واحد فقط.
بل لفكرة.
لفكرة أن العدالة يمكن أن تُنتزع بالقوة.
وفي مكان ما في المدينة…
كان شخص ما يراقب.
إنتهى الجزء الأول — مع بقاء القضية مفتوحة.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.