SalmaHamdy1

Share to Social Media

أكملنا التسوق. أقف الآن أمام العديد من الأحذية الرجالية. منها الفاخر والرخيص والمتوسط. آسر يقف في الزاوية يهز رأسه ببطء فعلمت أنه يستمع لإحدى أغاني كايروكي المفضلة له. مواصفات الحذاء الذي أريده ان تكون جودة جلده فاخرة لا تتقشر سريعا كما حدث لحذائي السابق. وأن يكون أسود بسيط وأنيق وغير مبالغ به حتى نتجنب سخرية آسر المقتصد في مشترياته، بل في كل شيء وربما حتى في حياته!.
نظر آسر إلي نظرة تقول : "ها خلصت؟"
فهززت رأسي نافيا فعاد مكملا الاستماع لأغنيته. هكذا هو دائما لا يصبر حتى أشتري شيء جيد!. يعاود السؤال نفسه كل مرة وكأن وراءه شيء هام ينتظره. لكن في الحقيقة انا اعلم.. فما هي إلا وسيلة ضغط يستخدمها حتى يضمن خروجه من الازدحام في اقرب وقت، حتى وان كان ذلك على حساب شراء أغراض لن تعجبه فيما بعد!.
لفت انتباهي حذاء وحيد بين بقية الأحذية، من جلد اسود وله أربطة سوداء. حسنا مقاسه ربما يطابق مقاس ما أرتديه. قبل أن ألمسه، فجأة دوّى صوت ارتطام مفاجئ هز المكان كله.
بعد صوت الارتطام… شعرت ان كل شيء صمت لثانية وكأن الحياة توقفت…ثم انفجر المكان.
أول ما خطر لي هو السقف. نظرت الى السقف، لا شيء، لم يسقط على رؤوسنا الحمدلله... لكن مصابيحه تهتز. نظرت الى اسر فوجدته انه هو ايضا انتبه للوضع. نظرة واحدة منه كانت كافية، تحول فيها من الشاب الهادئ الى الرائد آسر ضابط في المباحث الجنائية، أمال رأسه لي في اشارة تقول : "تعالى نشوف"

شددت من امساكي ليد هادي الصغير ثم سحبته خلفي، المسكين كان لتوه سيعلق على شيء ما أعجبه في احدى الأحذية.

بفضل تجمعات الناس، واصواتهم أدركنا الوصول بسرعة. أرى ساحة انتظار طلبات الطعام قد ملئت بالبشر. صراخ، وبكاء، أناس يركضون وهمسات متداخلة هنا وهنا لا نفهم منها شيئا. نبضات قلبي تدق بسرعة وكأنها تحاول مواكبة ما يحدث. مجسم كبير ساقط على الأرض، شاشة اعلانات تبدو ذلك. نظرت لفوق الى أعلاها فأدركت انها سقطت. اخرجت بطاقتي من جيب جاكيتي الداخلي، كذلك اسر فعل ايضا.
حاولنا التملص بين ذاك الحشد المتدافع كبعير تريد الخروج لكنها حُبِست بسور يمنعها.
"ابعدوا!. مباحث!."
قلناها رافعين البطاقة. تراجع العمال الذين كانوا قريبن من الشاشة والذين حاولوا ابعاد المدنيين عن جثة الشاب الذي سقطت عليه تلك الشاشة الكبيرة.
اقترب اسر مني بعد ان وضع بطاقته داخل جيبه مجددا وهمس : "براء هنحتاج قوة أمن"
هززت رأسي مؤكدا بينما أرمق المدنيين بنظرة ثاقبة تقول "لا تقترب"

بدأت الاصوات والهمسات تخفت تدريجيا، تراجعوا هم بضع خطوات عن الجثة والشاشة. بقعة الدم كانت تتسع وتنتشر بسرعة على الأرض البيضاء. كانوا يتراجعون ويبعدون نظرهم عن الدم ويحوقلون. شعرت بيدا هادي الصغيرتان تتشبث بسروالي من الخلف ويبكي في صمت.
تقدم نحونا شاب يرتدي مريول احمر. ادركت من هيأته انه عامل في هذا المطعم.
عيناه متسعتان يداه يحاول اخفاء رجفتهما، وجبينه يتعرق، حنطي البشرة وشعره اسود منسدل الى الخلف.
"افندم ممكن نعرف مين انتو؟"
أجاب اسر بحزم ورمقه بزرقاوتيه بحدة: "انا الرائد اسر ودا زميلي الرائد براء، مباحث جنائية"
إزدرد الشاب ريقه في صمت، اكمل اسر :
"تقفلوا المول دا حالا.. محدش يدخل ولا يخرج"
"بس يا فندم... في ناس..."
اجاب اسر : "في ناس.. وفي جريمة دلوقتي، اسمع اللي بقوله لك"
أومأ الشاب وذهب. اقتربت من اسر وقلت :
"اسر انا هرجع هادي عشان مش هينفع يفضل هنا"
أومأ وقد لانت نظرته بعدما رأى حال الصغير وقال :"هيكون احسن"
عاد اسر بنظره الى الجثة الساكنة تحت الشاشة الضخمة، انكمشت ملامحه للحظات مدققا. فنظرت الى الجثة مجددا.. القميص الوردي، السروال الاسود الكاجوال، الشعر....
اتسعت عيناي.
ازاح اسر خصلات شعره المائلة الى اللون الأشقر من على عينيه وهمس :
"براء دا نفس الشاب اللي شفناه عند المدخل صح؟"
أومأت مؤكدا : "الظاهر هو نفسه!"
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.