SalmaHamdy1

Share to Social Media

عدنا الى القسم، كان هادئًا بشكل مريب… هدوء لا يسبق إلا عاصفة!. السماء كانت زرقاء مدمجة بلون برتقالي دافئ. صوت زقزقة العصافير في الخارج، للحظة… سكن شيء ما بداخلي.
ايقظني من شرودي براء قائلا : "يلا يا اسر"
التفتت نحوه بينما سبقني هو بالدخول الى القسم. دخلت فاستقبلني الهواء الدافئ ورائحة الورق وصوت خطوات الضباط.
سلّمنا على بعض العساكر وعلى زميلنا اسد اثناء طريقنا نحو المكتب. بعدها جلس كلا منا على كرسييه، اغمضت عيني للحظات فشعرت بحرقة تسري تحت جفناي. تخللت اصابعي خصلات شعري ثم زفرت بضيق. بينما كان براء في عالم اخر مع هاتفه، منذ دخولنا وهو ممسكا بالهاتف، أصابعه لا تتوقف… وعيناه معلقتان بشيء لا يريد أن يفلت منه.
لكن… تلك الرجفة الصغيرة في أصابعه لم تفلت مني!.
فجأة دُفع الباب! ظننته لوهلة انه اكرم!.
في ذات الوقت وضع براء هاتفه بسرعة على الطاولة امامه وكأنه مُسك على جرم ما!.
إلتفتُّ لذاك الطويل الذي اقتحم مكتبنا، كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة ومكوية بعناية!. كان الطويل ذا شعر اسود لامع مموج ومصفف للخلف. يضع يداه في جيبيه وعينه ترمق كل إنش من حوله، زاوية شفتيه مائلتان الى الاسفل.
اسندت مرفقاي الى الطاولة وشبكت اصابعي مسندا رأسي عليها. رمقته بحدة وقلت بهدوء :
"ممكن نعرف مين حضرتك؟"
قلتها بأدب لأني شعرت ان مظهره هذا لا يدل لشخص عادي.
وضع براء قدم على اخرى واسند ظهره ثم رمقه شزرا.
اجاب الغريب بعد صمته المطول بنبرة هادئة  : "شادي"
ثم إلتفت نحوه يدقق بالمكان قائلا بعد ان رفع كتفيه بحركة تدل على اللامبالاة :
"زميل جديد هنا"
زفرت بضيق، هذا ما ينقصني! مجيء متعجرف مثله يأتي إلينا!.
سار بضع خطوات نحو طاولتي فاضيقت عيناي من الصداع المفاجئ بمجرد سماعي صوت خطوات حذاءه!
وضع يده على الطاولة فرمقته وقال : "سلامتك يا اشقر"
ثم ابتسم بسخرية واردف : "واضح ان الرائد الاشقر مصدع"
علا صوتي دون ان أدري قائلا : "انت مالك؟"
"اوه نو، هي دي طريقة التعارف عندكوا ولا ايه؟"
لمحت وشم مرسوم بعرض رقبته، كذلك كان يرتدي خواتم فضة كثيرة. عدت بنظري اليه من رأسه حتى اخمص قدميه دون اجابه. كان يرتدي حذاء اسود جلد.
ساد الصمت فقطعه شادي مجددا موجها سؤاله لي: "انت اسر صح؟!"
دلكت صدغي وقلت : "انا الرائد"
اجاب بسخرية : "لايق عليك اسم اسر، مناسب لشخصية زيك"
ثم اعتدل في وقفته والتفت نحو براء وقال :
"واظن انك براء"
اجاب براء قائلا بعصبية : "ولاا انت رتبتك ايه؟"
صمت شادي للحظات ثم رفع كتفيه لثانية قائلا : "ملازم"
"يبقى تحترم رتبة الاكبر منك"
تأفف شادي ثم اتجه نحو الباب ورفع كتفيه قائلا باستخفاف :  "واحد راسه هتنفجر، والتاني أعصابه على حافة الانهيار... وأنا الغلطان إني دخلت هنا أصلًا."
اردف باستخفاف : "اصلا المكان دا مترب وانا مش هفضل هنا"

فتح الباب وقبل ان يخرج قال : "النفسية المكسورة... بتخلي الواحد ياخد أسوأ قرارات في أنسب وقت."

لم أفهم قصده… أو ربما تجاهلت أن أفهم. تنفست الصعداء بعدما خفتت رائحة العطر القوي الذي يضعه ذاك. نهض براء من كرسييه ولملم اغراضه من على الطاولة و وضعها في جيوبه، ثم تأكد من وجود مسدسه مثبت في خصره ثم قال بضجر : "ده مش طبيعي... ده مستفز بطريقة تخليك عايز تمسكه من هدومه."
كان صادقا في قوله، ضربة قلبي جاءت أسرع مما يجب. قلت بصوت منخفض :
"انت رايح فين؟"
كان واضحا على جسده التوتر وعلى وجهه العصبية، أردف :
"هروح مشوار وهاجي"
تقدم خطوات وقبل ان يخرج اوقفته : "مشوار ايه يا براء؟"
اعاد رأسه للخلف قائلا : "ساعتين تلاته وهرجع يا اسر"
اتسعت عيناي فازدردت ريقي وقلت : "براء  لازم تقولي... احنا لسة كنا مع اكرم وراجعين من برا. وحاليا عندنا شغل هنا وانت عارف، مشوار ايه دا؟ حد من البيت مثلا؟"

ساد الصمت بينما داخلي لا، عقلي يربط كل ما مضى، المكالمات، نظرات براء، وكثرة مسكه للهاتف وتوتره الآن، بالاضافة انه يريد الغياب ثلاثة ساعات!.
لاحظت انخفاض في مستوى كتفيه، لكن عضلاته لا تزال مشدودة. ثم اجاب  بهدوء: "اسر قلت شوية وهرجع، انت مش وكيل عليا!."
اتسعت عيناي مندهشا من نبرته تلك! هذه اول مرة يتعامل معي هكذا!. اتجهت نحوه مقتربا منه ثم وضعت يدي على كتفه قائلا :
"يعني ايه مش وكيل عليا؟ براء انا صاحبك! احنا عشرة عمر! وانت بالبساطة دي عاوز تمشي وقبلها موترني بتصرفات ومكالمات غريبة؟"
احتدت نظرته وأجاب مخفضا صوته : "اسر انا مش طفل!"
اشتدت قبضتي على كتفه وقلت : "مش طفل بس بتعمل تصرفات مش عاقلة!"
"اسر سيبني!"
"لا"
"انت بتوجعني.."
كلمته نزلت عليّ كطعنة مفاجئة، اتسعت عيناي وسرعان ما ابعدت يدي كأنني لمست جمرا ومتراجعا خطوتان.
همست : "انا اسف، ما اخدتش بالي"
دلك براء كتفه وقال : "اسر انتهى الكلام"

لم يمهلني الإجابة ثم سرعان ما فتح الباب وخرج دون ان يلتفت!. بدأ قلبي يطرق صدري بعنف، فناديته مجددا :
"برااء!"

لكنه لم يعد، لا أعلم… لكن هناك شيء خطأ. أشعر به او انني سأفقد صديق عمري!.
هل أنا مُحق... أم أنني أغرق في وهمٍ صنعته بنفسي؟
ام هل صرت عبئًا على من أحب... أضيّق عليهم حتى في حريتهم؟
هل كان تصرفي هذا تطفلا ام فضولا ام ماذا؟
هل هو منزعج من إلحاحي هذا؟.

لا اعرف. لكني لم ألحقه، عدت لكرسيّ وجلست عليه. دفنت رأسي بين ذراعي ولم اهتم لأي شيء من حولي.

●●●

فتح الباب، وكالعادة بدون استئذان، دخل اكرم متمتما بضيق.
"دا اي دا بقى دا بقى"
زفرت بضيق ورفعت رأسي قائلا : "عاوز ايه؟"
"شوف يا جدع الواد ابو خواتم دا، جاي يستفزني وبيتريق عليا وعلى شغلي"
علمت من يقصد... شادي الذي لم يكتفي بازعاجنا قرر ازعاج اكرم ايضا ولكن في الحقيقة احسن فهو يستحق.
تمتمت : "وهو حد يقدر يقول حاجة ع شغلك"
"في ايه يا سوسة؟ ماله شغلي؟"
لم اجب فصمت اكرم للحظات قبل ان يلتفت حوله وقال : "امال الواد بيبو راح فين؟"
نظرت لمقعد براء الفارغ ولم اجب ايضا...
نهضت وهندمت ملابسي ثم خرجت من الغرفة، سمعته يصيح متذمرا : "الله؟ هو كله لاوي بوز كدا ليه؟"

سرت في الممر الذي كانت أضواءه هادئة. كان خاليا والاصوات منخفضة كضجة في الخلفية لا قيمة لها. كنت أسير… بلا وجهة.
شممت رائحة دخان.. احدهم يدخن، نظرت حولي فوجدته. كان شادي يقف امام النافذة يدخن سجائره. انكمشت ملامحي وكأنني مستعد لشيء مجهول قادم. وقفت بجواره على بعد ذراع. لم يلتفت لي فبدأت :
"اسمك شادي ايه؟"
رفع رأسه قليلا ونفث دخانه ثم قال :
"مهتم اوي كدا؟"
ضغطت على فكي واجبت :
"مش قصة مهتم"
إلتفت نحوي ثم رفع حاجبه و قال :
"امال؟"
لم اجب وانكمشت ملامحي حينما شعرت بالم خفيف في صدري  بسبب رائحة الدخان. اطفأ سيجارته ثم عاد بنظره الى الأمام وقال :
"أنت من النوع اللي بيخبي أكتر ما بيقول... صح يا رائد؟"
لم أجب، لكنه أردف دون ان ينظر : "جسمك مشدود واضح عليه توتر  مش منظر واحد باله مرتاح"
اغمضت عيني لثاني ثم قلت :
"واضح انك بتحب تعلب لعبة التشخيص والمحلل النفسي"
عاد بنظره نحوي ثم قال : ،"مش قصة لعب وتشخيص، انا بقول اللي بشوفه مش بحب ألف وادور"
ساد الصمت للحظات، اخرج شادي شريط لبان من جيبه ثم مضغه وقال : "وصاحبك... مش أنضف منك بكتير."
ضغطت على فكي دون اجابه، أمال رأسه قليلا نحو كتفه الايمن  ثم اردف  : "لو أنا فاهم صح... صاحبك مش رايح مشوار عادي."
اتسعت عيناي وخفق قلبي للحظة نبضة اخرى اسرع. حاولت ألا اقنع عقلي بكلامه، لكن انا بالفعل منذ البداية وان اشعر ان الكثير من الاشياء حولي تبدو خاطئة!.
اجبت : "ملكش دعوة"
هز رأسه قائلا : "اوكيه يا رائد، بشوقك"
ثم عاد بنظره للأمام.  لكنه لم يصمت طويلا ثم قال : "عموما اسمي متأكد انه هيبقى صدمة"
لم اهتم و ألتفت مقررا المغادرة مبتعدا عنه.
هنا أدركت انه ليس اكرم وحده زنخ. فذاك المستفز اشعرني وكأنه يفتش ما بداخلي… لا ما أقوله. لكن دمعة واحدة… خانت ثباتي، حينما تذكرت براء، حينما كان يريد مشاركتي اللب السوري، وحينما أعطاني كوب كرك رغم اني لا أفضل ذاك المشروب مثله، ومعاملته لهادي وكأنه اب حقا.
هل حقا تركني صديقي ليفعل مصيبة كما قال شادي؟.
أتى علي نحوي فتوقفت، ورفعت نظري من الأرض نحوه.
"باشا، رضا الدكروري وصل"
أومأت موافقا وقلت : "هاته ورايا غرفة الاستجواب"
ابتعد فقادتني قدماي نحو غرفة الاستجواب. دفعت الباب فصدمني الضوء الخافت. الغرفة بها ثلاثة كراسي وطاولة وجدرانها رمادية.
دخلت وجلست وبدأت اخرج قلمي ودفتري كالعادة. صوت فتح وغلق باب فوجدته.. كان شادي!.
تأففت وقلت : "جاي ليه؟"
رفع رأسه ورمقني من اعلى وقال : "اللواء قال شغلي معاكم"
ضغطت على فكي وقلت بضروسي : "طب اقعد ومتتكلمش"
"انا مش جاي احضر درس في الكلاس، هشتغل زي زيك"
شددت من امساكي للقلم وقلت : "اتخمد"

فتح الباب ودخل علي معه رضا. كان رضا رأسه تبرق من الصلع. في وجهه شارب وليحية خفيفان. كان يرتدي قميص ازرق مخطط باللون الابيض والاحمر والبرتقالي وسروال داكن.
وطوله ربما يكون في طولي. جلس رضا امامنا عينه ترمقني بحدة بينما غادر علي.
فبدأت :
"استاذ رضا"
"ها؟"
"حضرتك شغال في مول شاميلا، ايه الشيفت بتاعك؟"
"ص..صباحي"
شعرت بترده فرمقته للحظة وكأنني أقرأ وجهه ان كان صادق ام يكذب. ثم قلت :
"حضرتك تعرف عادل وحيد؟"
"زميل بنتي"
"نرمين صح؟"
"اه"
"لسه قضيتها ما اتحلتش"
لم اقلها كسؤال بل كحقيقة، صمت هو للحظات ثم قال :
"ااه"
دارت عينا شادي في المكان بملل، وضع قدم على الأخرى واعتدل في جلسته ومال قليلا نحو رضا ثم رمقه بحدة:
"حضرتك تعرف ان عادل اتقتل؟"
"ا..ايه؟"
"ايوه مات الاربع بليل وهو واقف في ساحة الطعام، وقعت على دماغة شاشة"
اتسعت عيناي ونظرت لشادي الذي كان لا يزال مركزا مع رضا. بينما وجدت رضا لم يتوتر بل العكس كان حاجباه منعقدان.
لحظات وبدأت ملامح الارتباك على وجه رضا، دارت عيناه بيننا. أردف شادي مبتسما بخبث : "كنت فين بالظبط... وقت ما كل ده حصل؟"
ازدرد رضا ريقه : "كنت في الششغل"
"بس انت قلت انك صباحي"
هنا اشتدت ملامحي نحو رضا.
تلعثم وقال : "اا.. ا اتلخبطت."
"انت ما اتلخبطش... انت كنت فعلا موجود بس يوم التلات مش الاربع"
"يا باشا انت فهمت غلط"
"لا مفهمتش غلط، انت اللي ظهرت بالكاميرا!."
اتسعت عينا رضا وصمت دون اجابة. وهنا ازدردت ريقي مترقبا للاتي.
رفع رضا رأسه ورمق شادي بحدة قائلا : "باشا معندكش دليل"

●●●

بعدما أنهينا الاستجواب، غادر رضا الغرفة مبتسما وكأنه كسب انتصارا!. لا اعرف على ماذا يبتسم ولكني ما ان تأكدت من اغلاق الباب حتى عدت لشادي الذي لا يزال جالسا على الكرسي. ركلت احدى رجول الكرسي فانتفض شادي. نهض من مكانه صائحا :
"في ايه يا عم!."
ابتسمت ساخرا وقلت : "صباح الفل! في ايه؟... في واحد شايفه كدب قدامي في الاستجواب!"
تلاشت ابتسامته واحتدت نظرته قائلا بإدراك : "اههه"
"جاتك أوا"
اقتربت منه خطوة فتراجع خطوتين ورفع يده بإشارة استسلام وقال :
"استنى يا برو.. ما الطريقة كانت فعالة وخلته يكشف كدبته و..."
قاطعته : "وريني كارنيهك يالا"
صمت واحتدت نظرته قائلا : "لا"
مسحت على رأسي وقلت : "اااه بقى كدا؟ قلت لي مين اللوا اللي باعتك لينا؟"
"برو... الزم حدودك عشان انا ساكت"
"ساكت؟ ليه ساكت يا حبيبي؟ اتكلم وريني هتعمل ايه؟"
رمقني نظرة استخفاف وحاول التملص لكني قطعت محاولته حينما اسندت كفي على الجدار بجوار رأسه وقلت : 
"مش هتخرج من هنا... إلا لما أعرف أنت مين بجد. غير كده، اللي هيحصل مش هيعجبك."
عيوننا اشتبكت… وصمتنا كان ساحة المعركة. فجأة دون اذن، فُتح الباب. في ذات اللحظة انتصبت كل شعرة من جسدي من المفاجئة.
كان اكرم عرفته من صوت خطواته. اغمضت عيني للحظات دون ان اقوم بأي رد فعل يدل على الارتباك وببطء ابتعدت عن شادي. بينما تأفف شادي بضجر اثناء إرخاؤه لربطة عنقه وأخذ يسبّ.
ابتسم اكرم بخبث وقال : "الله الله، الرائد سوسة ماسك دودة وفارمه؟"
رمقته بضيق وانزعاج واضح قائلا : "اكرم اسكت!."
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.