EHAW

Share to Social Media

"الجزء الأول: مرافئ الوداع"
كانت الشمس تتربع فوق ميناء "الجزيرة الخضراء" بالأندلس كأنها تاج من الذهب الخالص. في تلك الظهيرة من عام 1000 ميلادي، لم يكن الميناء مجرد مكان للتجارة، بل كان قلباً ينبض بصيحات الباعة وضجيج العمال وهم يحملون صناديق التوابل والحرير الأندلسي الفاخر. وسط هذا الضجيج، كانت تتمايل سفينة "جواهر الأندلس"، بهيكل خشب الأبنوس المتين الذي صُقل ليواجه أعتى الأمواج.
وقف القبطان بيدرو عند حافة السفينة، يراقب مدينته للمرة الأخيرة بنظرة يمتزج فيها الفخر بالوداع. "انظري يا جولي.. الأندلس اليوم تبدو كعروس المحيط. رائحة الياسمين هنا لا تُنسى، وكأن الأرض تتشبث بنا لنبقى".
لم ترفع جولي بصرها عن سجلاتها الورقية التي كانت تدون فيها كل صغيرة وكبيرة بتركيز حاد. "استمتع بالرائحة الآن يا قبطان، لأن رائحة العرق والملح هي كل ما ستعرفه رئتاك في الأشهر الستة القادمة". ثم أغلقت سجلها بقوة أحدثت صوتاً مسموعاً وأضافت: "البضائع اكتملت، والمؤن مؤمنة.. نحن جاهزون للمجهول".
صعد بيدرو إلى أعلى نقطة في السفينة، ونادى بصوت جهوري هز أركان الميناء: "أيها الأبطال! وجهتنا هي أرض المايا، خلف المحيط الذي يخشى الجميع عبوره! سنريهم ما تصنعه أيدينا وعقولنا.. هل أنتم معي؟".
انفجر الطاقم بهتاف جماعي صُمّت له الآذان: "معك يا قبطان!".
لكن في زاوية منعزلة من السفينة، بعيداً عن صخب الاحتفال، كان شاب في الثامنة عشرة من عمره يقف صامتاً. كان شأس يرتدي وشاحه البيج الذي يغطي جزءاً من رقبته، وشعره الأسود الفحمي تتوسطه تلك الخصلة البيضاء المريبة التي كانت تتطاير مع نسيم البحر. عيناه الزرقاواتان لم تكونا تنظران إلى الميناء، بل كانتا تخترقان الأفق البعيد بنظرة حادة، وكأنه يسمع همساً في الريح لا يصل لآذان البقية.
"الجزء الثاني: غضب المحيط"
مرت الأسابيع، وتحولت زرقة السماء إلى روتين يومي ممل، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم. فجأة، انقبضت السماء كأنها جرح ينزف دماً رمادياً، واختفت الشمس خلف غيوم خضراء لم يسبق لبحار أن رآها.
صرخ نيجين، الملاح الذي لا تخطئه عين، وهو يحدق في بوصلته النحاسية التي بدأت إبرتها تدور بجنون حول نفسها: "بيدرو! البوصلة جن جنونها! هذه ليست عاصفة عادية.. هذا غضب يسكن السماء!".
اندلعت المعركة بين الخشب والماء. أمواج شاهقة بارتفاع القلاع كانت تنقض على "جواهر الأندلس" كأنها تريد سحقها. وسط هذا الجحيم، كان شأس يتحرك كطيف، عضلاته المدمجة والقوية تبرز تحت قميصه المبتل وهو يشد الحبال بقوة خارقة.
لمح شأس أحد البحارة وهو ينزلق نحو حافة السفينة بسبب موجة غادرة. ركض بسرعة لا تصدق، يده تمتد لإنقاذه، لكن البحر كان أسرع؛ ابتلعت الأمواج الرجل في لمح البصر. أراد شأس القفز خلفه دون تفكير، لكن قبضة حديدية نزلت على كتفه. كان كراشن، الذي صرخ وسط دوي الرعد: "توقف! البحر لا يعيد ما أخذه يا فتى! ابق حياً.. نهايتك لم تُكتب هنا بعد!".
"الجزء الثالث: الصمت الأبيض"
عندما هدأ الإعصار، لم يبقَ من ضجيج الميناء شيء. ساد صمت جنائزي ثقيل. سبعة أشخاص فقط هم من نجا، يقفون وسط حطام سفينة كانت يوماً فخر الأندلس. هانكي كانت تجلس في ركن مظلم، تمسح سكينها بقطعة قماش مهترئة، عيناها تخفيان حزناً عميقاً على من فقدوا.
كسر شأس الصمت بصوته الرخيم الهادئ: "سأصلح الشراع.. إيمانويل، احتاج قوتك معي".
بعد ساعات من العمل الشاق، وقف نيجين يرتجف وهو يمسك بخارطته: "بيدرو.. وفقاً للنجوم التي استطعت رصدها بصعوبة، نحن في الجنوب الأقصى.. لقد قطعنا في ليلة واحدة مسافة تستغرق شهوراً!".
تلاشى الضباب ببطء، ليكشف عن العملاق الصامت: الجدار الجليدي. جدار أبيض لا يطال ارتفاعه البصر، يلمع بضوء أزرق يشبه لون عيني شأس، ويصدر هالة من البرودة تجمد الأنفاس.
"الجزء الرابع: ما وراء النهاية"
وقفت السفينة أمام شق عملاق في الجدار، فجوة تشبه بوابة لعالم آخر. قال بيدرو والشك ينهش ملامحه: "هذا القرار لن أحمله وحدي.. الموت خلفنا والمجهول أمامنا. لنصوت".
انقسم الطاقم بين الخوف والتمسك بالحياة، حتى التفت الجميع نحو الشاب صاحب الخصلة البيضاء. نظر شأس إلى عمق الجدار، شعر بجاذبية غريبة تسحب روحه للداخل. "العودة مستحيلة بهذا الحطام"، قال شأس وهو يضع يده على مقبض سيفه الهجين، "نيجين يقول إن هذه نهاية الأرض.. فلنرى ماذا يوجد خلف النهاية".
بمجرد أن توغلت السفينة في ظلام الشق، سقط شأس على ركبتيه. صرخة مدوية انطلقت من حنجرته وهو يغطي أذنيه بيديه: "اااااااه! توقفوا! هذا الصوت.. رأسي سينفجر!".
هرع بيدرو نحوه، لكنه توقف فجأة. فوق قمة جليدية عالية، لمح ظلاً. كيان طويل القامة، بجلد شاحب كالثلج وعيون تشع ضوءاً ذهبياً غامضاً، يراقبهم ببرود تام. للحظة واحدة، التقت عينا بيدرو بعيني الكيان، قبل أن يتلاشى الأخير في الضباب كأنه لم يكن.
انتهى الفصل بصوت تحطم الجليد خلفهم، وصرخة شأس التي بدأت تتحول من ألم إلى "شيء آخر" تماماً
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.