# رجعتُ فارغةَ اليدين
في يوم الثلاثين من مارس لعام 2026،
كنتُ أجلس في مكتبي كعادتي، أرتب الأوراق وأدوّن ملاحظاتي اليومية قبل انتهاء الدوام.
فتحتُ مذكرتي الصغيرة، وكتبت بخط سريع:
“30/3/2026
راحة طبية… إعفاء مؤقت من المهام، لأنني سأستلم مهمتي الجديدة قريبًا.
طفل جديد ينتظرني… وأنا أنتظره بفارغ الصبر.”
أغلقتُ الدفتر وأنا أبتسم.
لم أكن أعلم أنني أكتب بداية قصة لن تنتهي أبدًا.
خرجتُ يومها من العمل وأنا أشعر بخفة غريبة.
كنتُ متعبة من الحمل، نعم… لكن قلبي كان ممتلئًا بالحياة.
كنتُ أفكر فقط في صخر.
عدتُ إلى البيت وبدأت أجهز كل شيء له.
غسلتُ ملابسه الصغيرة أكثر من مرة،
ورتبت سريره بعناية وكأنني أخشى أن يزعجه شيء.
وضعتُ بجانب الوسادة بطانية صغيرة بلون هادئ،
وخبأت في هاتفي أغاني كثيرة كنتُ أنوي أن أغنيها له عندما ينام على صدري.
كنتُ أحدثه طوال الوقت، رغم أنه لم يولد بعد.
أضع يدي على بطني وأقول له:
“اقتربنا يا صخر…”
وكان يرد عليّ بطريقته الخاصة.
يتحرك كثيرًا، يركلني أحيانًا، وكأنه يعلن حضوره داخل عالمي الصغير.
كنتُ أعيش له.
مرت الأيام سريعًا، حتى جاء الثامن عشر من أبريل.
يوم العملية.
دخلتُ غرفة العمليات بخوف الأمهات المعتاد، لكن بفرحة أيضًا.
كنتُ أظن أنني سأخرج بعد ساعات أحمل طفلي بين يدي، متعبة نعم… لكن سعيدة.
لم أكن أعلم أن بعض الأقدار تدخل حياتنا بهدوء… ثم تكسرنا دفعة واحدة.
في اللحظات الأخيرة، سكن كل شيء فجأة.
ذلك الطفل الذي كان يملأ بطني حركةً وحياة،
هدأ بطريقة أخافتني.
ضعف نبضه.
أصبحت الوجوه حولي متوترة، والأصوات متداخلة، والجميع يتحرك بسرعة لا أفهمها.
كنتُ أبحث في عيونهم عن طمأنينة واحدة، لكن الخوف كان أوضح من كل شيء.
ثم سمعتُ صرخته.
صرخة قصيرة… لكنها شقت قلبي نصفين.
إلى اليوم، أشعر أن صخر لم يصرخ لأنه وُلد…
بل لأنه كان يودعني.
صرخ مرتين فقط.
عاش في بطني تسعة أشهر،
وعاش في الدنيا تسع ساعات،
ثم رحل دون أن أعرف كيف أوقف الرحيل.
لم يسمحوا لي أن أراه كما تمنيت.
لم يتركوني أحتضنه طويلًا،
ولا أن أمسح على رأسه،
ولا أن أقول له كل الكلمات التي خبأتها له طوال شهور.
كنتُ أريد فقط أن أكون أمّه لدقائق إضافية.
لكن البشر أحيانًا لا يفهمون أن بعض الآلام لا تُحتمل إذا مُنعنا حتى من وداعها.
بعد ساعات طويلة من القلق والصمت، جاء زوجي.
كان وجهه شاحبًا بطريقة لم أرها من قبل.
اقترب مني وهو يحاول أن يبدو قويًا، ثم قال بصوت مختنق:
“الحمد لله…”
ابتسمتُ فورًا وسألته بسرعة:
“هل تحسن صخر؟”
سكت للحظة، ثم قال:
“لا… لأنه في ذمة الله.”
في تلك اللحظة، توقف كل شيء بداخلي.
ضحكتُ وبكيتُ في الوقت نفسه، وكأن عقلي لم يستطع استيعاب ما سمعه.
رددتُ تلقائيًا:
“إنا لله وإنا إليه راجعون…”
ثم عمّ الصمت داخلي بالكامل.
لم أعد أسمع شيئًا بوضوح.
كان هناك طنين قوي يملأ أذني، كأن الماء يغمر رأسي من الداخل.
كنتُ أرى الناس يتحركون حولي، لكنني لا أشعر بشيء.
في ظهر ذلك اليوم، دُفن صخر.
أقيمت له جنازة صغيرة… كأنه رجل عاش عمرًا كاملًا، لا طفلًا عاش ساعات فقط.
ودُفن معه كل شيء.
دفنتُ معه الأغاني التي جهزتها له،
والملابس التي رتبتها بحب،
والأحلام التي كنتُ أؤجلها حتى يكبر.
دفنتُ فرحتي به إلى يوم اللقاء.
ولا أنسى تلك اللحظة أبدًا…
لحظة عودتي إلى البيت.
رجعتُ فارغةَ اليدين.
لا حقيبة طفل،
لا صوت بكاء،
لا رضيع ينتظر حضني.
فقط أنا… وقلبي المكسور.
دخلتُ غرفته ببطء،
كانت ملابسه ما تزال مرتبة كما تركتها،
وسريره الصغير ينتظر طفلًا لن يعود.
حتى يداي كانتا تؤلمانني،
كأنهما تسألانني:
“أين الذي وعدتِنا أن نحمله؟”
وفي الليل، كنتُ أستيقظ مفزوعة أحيانًا،
أشعر كأنه ما زال يتحرك في بطني.
وأحيانًا كنتُ أسمع بكاءه في الصمت، فأفتح عيني بسرعة وأتذكر الحقيقة من جديد.
مرت الأيام الثلاثة الأولى ثقيلة كالعمر كله.
كنتُ أسمع ضجيجًا مستمرًا في أذني،
وأرى الناس يواسونني، بينما الحزن ينهشني من الداخل بصمت.
كنتُ أضحك أحيانًا مجاملةً،
لكن شيئًا بداخلي كان يحترق.
ألم الفقد لا يشبه شيئًا.
ليس وجع قلب فقط…
بل شعور أن شيئًا من روحك اقتُلع منك بالقوة.
كنتُ أحيانًا أضع يدي على صدري وأسأل نفسي:
كيف يمكن لقلب أن يستمر بالحياة بعد كل هذا؟
ثم بدأتُ أفهم شيئًا واحدًا فقط…
أن الأم لا تنسى.
مهما مرت الأيام،
ومهما حاولت الحياة أن تعود لطبيعتها،
يبقى هناك مكان فارغ لا يملؤه أحد.
وصخر…
رغم رحيله،
ما زال موجودًا معي في كل لحظة.
في الدعاء،
في الصمت،
في دموعي المفاجئة،
وفي قلبي الذي لن يكون كما كان أبدًا.
سلامٌ على تلك الروح الصغيرة…
سلامٌ على صخر