نحن الآن جميعاً في كفة واحدة؛ فلا ثراء ينجي، ولا فقر يشفع، تساوت الرؤوس تحت وطأة العدم. كانت هذه الأفكار تتقاذف في رأسي كشظايا تائهة وسط حطام كل ما كان يُسمى يوماً "وطناً". لقد استُبيحت الأرض تماماً، وصرنا جميعاً، أغنياءنا وفقراءنا، نقف بذهول على حافة الهاوية، ينهشنا الجوع ويحرق أحشاءنا الظمأ.أنا كائن بلا هوية، شبح فقد ظله وذاكرته. آخر ما علق بذهني هو تلك اللحظة التي استيقظت فيها لأجد نفسي محاطة بتلال من الجثث الباردة، وحيدة وسط غابة من الإسمنت المذبوح والمباني التي فقدت استقامتها. لم أستوعب هول المشهد في البداية، ولم تمنحني الصدمة ترف التفكير؛ فقد تناهى إلى سمعي نحيب طفل يمزق الصمت الجنائزي للمكان. اندفعت نحوه، مدفوعة بغريزة بقاء لم أفهم كنهها، أحاول انتشاله من تحت أنقاض مبنى كان يترنح خلفه.لكن القدر كان أسرع؛ فقبل أن تلمس يدي جسده الضئيل، دوت انفجارات الصواريخ لتهز أركان الوجود. تطايرت الحجارة كقذائف طائشة، وكان آخر ما أبصرته عيناي قبل أن يبتلعني الظلام هو حجر ضخم يهشم جمجمة ذلك الطفل الغض، ليمتزج صراخه بصمت الموت. غبت عن الوعي، وأنا أحمل تلك الصورة البشعة في سويداء قلبي.حين استيقظت مرة أخرى، وتسللت تفاصيل الفاجعة إلى إدراكي، تمنيت لو أنني كنت جزءاً من ذلك الركام. كان منظر الدماء التي جفت على الأرصفة، والجثث المشوهة، وصورة الطفل الذي سُحق أمام ناظري، كابوساً يرفض الانتهاء.بدأت أجر خطاي فوق أشلاء المدن، أبحث عن أثر لحياة وسط هذا الخراب الشامل. وبعد مسير طويل فوق رفات البشر وحطام الحجر، أبصرت مجموعة من الأحياء، يجلسون بذهول وسط الجثث، يذرفون دموعاً حارة على من فقدوا. أما أنا، فكنت أقف بينهم كالغريبة؛ لا أعرف إن كنت قد فقدت أحداً، فذاكرتي صفحة بيضاء غسلها الإشعاع أو الصدمة. خلتُ حينها أن فقدان الذاكرة نعمة، فما نفع الذكريات إن كانت ستورثنا وجع الفقد؟ كنت أتأرجح بين رغبة محمومة في استعادة ذاتي، وخوف دفين من أن تكون تلك الذات مثقلة بما لا أطيق حمله.اقتربت منهم، سألتهم بصوت متهدج عما جرى، فأخبروني بمرارة أن الدول المعادية قد صبت جحيمها فوق رؤوسنا، وأن المدينة قد سُويت بالأرض. أدركت حينها أن الموت قادم لا محالة، ليس بالرصاص هذه المرة، بل بالجوع الذي بدأ يغرس أنيابه في بطوننا.رأيت الأثرياء يجلسون بجانب المعدمين، ينتظرون النهاية بذات العجز. شعرت حينها بنوع من "العدالة السوداء"؛ ربما حدث كل هذا ليشعر من ملكوا الدنيا بمرارة من لم يجدوا فيها مأوى، وليذوقوا وبال صمتهم عن آلام الآخرين في بقاع الأرض. شعرت بحزن عميق، ليس عليهم فحسب، بل على نفسي أيضاً؛ فلعلني كنت في حياتي المنسية أكثر قسوة ووحشية من كل هؤلاء.مر يومان بلا زاد، بدأت الأجساد تنهار، والنفوس تضيق حتى صار البعض يقتات على أي شيء تقع عليه عيناه. قررت الرحيل، أن أمضي في رحلتي نحو العدم، غير آبهة بموت أو حياة، فقد انطفأت في داخلي جذوة الخوف.كنت أسير كخيال مآتة، حتى خانتني قواي وسقطت مغشياً عليّ بعد يوم آخر من المسير المضني.عندما فتحت عيناي، وجدت نفسي داخل معسكر للجنود، في غرفة تفوح منها رائحة المطهرات. علمت أنهم يستعدون لخوض غمار الحرب بعد أسبوع، فقررت، بدافع من كبرياء جريح، أن أنضم إليهم؛ لأموت بشرف بدلاً من الموت جوعاً ككلب ضال. أطعموني، وسقوني، وبدأت أتدرب على استخدام بندقية القنص. كان السلاح في يدي يبدو مألوفاً، وكأن أصابعي قد خُلقت لتضغط على الزناد.وجاء يوم الرحيل نحو ساحات الوغى، طريق "الشرف" المزعوم.بعد أسابيع من الزحف، التحمنا مع العدو في معركة غير متكافئة؛ كانوا يفوقوننا عدداً وعدة، لكننا اخترنا الثبات حتى الرمق الأخير. كنت في الصفوف الخلفية، أراقب الأهداف عبر منظار بندقيتي. مع أول رصاصة أطلقتها، شعرت وكأن شيئاً ما في أعماقي قد انكسر، لكنني لم أتوقف. استمررت في حصد الأرواح بآلية باردة، حتى شعرت بحرارة رصاصة تخترق قدمي. لم أستسلم للألم، واصلت القتال وسط برك الدماء التي بدأت تغمر المكان، حتى اخترقت رصاصة أخرى يدي التي تقبض على السلاح. سقطت أرضاً، وأنا أتمنى في تلك اللحظة أن أكون قد قدمت شيئاً ذا قيمة قبل رحيلي.وفجأة، انقشع الواقع، ووجدت نفسي في عالم من الظلمة المطلقة، لا نور فيه ولا صدى. تراءت لي فتاة تقف أمامي، وعندما حدقت في وجهها، صرخت رعباً.. لقد كانت "أنا".ارتجف كياني، وظننت أنني في قعر الجحيم، لكن تلك الفتاة (أنا الأخرى) همست بصوت كفحيح الأفاعي: "أنتِ الجحيم ذاته.. لقد عشتِ الجحيم الحقيقي في حياتك، وتجرعتِ مرارته من أقرب الناس إليكِ".في تلك اللحظة، انفتحت أبواب الذاكرة الموصدة كشلال من نار. تذكرت كل شيء.. تذكرت أنني لم أكن ضحية، بل كنت أقتل بدم بارد، كنت أستلذ بانتزاع الأرواح كنوع من العبث المريض. تذكرت إخوتي الذين استأمنهم والداي عليّ قبل رحيلهما، فكانوا لي ذئاباً لا ترحم. كانوا مختلين، يتلذذون بتعذيبي؛ جلد، وحرق، وتجارب طبية بشعة أجراها عليّ أخي الأكبر "العالم المجنون".خمس سنوات من العذاب الممنهج، جردتني من إنسانيتي، وغسلت قلبي من كل ذرة شفقة أو حب.وفي أول أيام الحرب، سقط صاروخ على ذلك السجن الذي كنت أتعفن فيه، فخرجت من بين الأنقاض بروح مشوهة، يملؤها حقد يغلي وكراهية لا تنطفئ. كان أول ما فعلته هو الاستيلاء على بندقية القنص الخاصة بإخوتي، وأرديتهم قتلى بدم بارد، ومنذ تلك اللحظة، صار القتل هو لغتي الوحيدة لاستعادة حقي المسلوب في كل صرخة أطلقتها ولم يسمعها أحد.حين أفقت من غيبوبة الذكريات، شعرت بتناقض يمزق أحشائي؛ جزء مني يصرخ بأن ما أفعله هو الخطيئة الكبرى، وأنني أقتل أطفالاً أبرياء لا ذنب لهم، وجزء آخر يضحك بمرارة، مؤكداً أن جميع البشر يستحقون الفناء، فهم ليسوا سوى نسخ مكررة من إخوتي الجلادين.ظهرت الفتاة مرة أخرى، وأرتني صوراً للبشر وهم يذبحون بعضهم البعض، ويمارسون أبشع أنواع السادية. حينها، انطلقت مني ضحكة جنونية هزت أركان الظلام؛ أدركت أن العالم كله هو "إخوتي"، وأن الموت هو الدواء الوحيد لهذا الوباء. في تلك اللحظة، انطفأت آخر شمعة للخير في روحي، وعاد الجنون ليحتل عرشه فوق أنقاض ألمي.تلاشى العالم المظلم، ووجدت نفسي مرة أخرى في ساحة المعركة، وسط الجثث. بدأت أعالج جراحي، أستخرج الرصاص من جسدي بأدوات بدائية، وبلا مخدر. كان الألم الجسدي تافهاً أمام جحيم الذكريات الذي استعر في صدري.بمجرد أن استعدت قدرتي على الحركة، جمعت ما تبقى من زاد، وقصدت المعسكر الذي آواني. هناك، وبدم بارد، قتلت كل من مد لي يد العون، قتلت الجنود والأطباء، واستوطنت المكان وحدي، أقتات على مؤنهم، وأخرج كل يوم كوحش كاسر لاصطياد ضحية جديدة.بعد خمس سنوات من انتهاء الحرب، عثر عابر سبيل على هذه المذكرات بجانب جثة متحللة، في مكان يغص بالعظام والجثث التي يأنف الوصف عن ذكر بشاعتها.لقد انتهت الحرب، وماتت معها تلك الفتاة، ودفنت ذكرياتها ومخاوفها التي حولتها إلى مسخ يشبه جلاديها.يا ليتها ظلت غارقة في نسيانها؛ ففي بعض الأحيان، تكون الذاكرة هي المعول الذي يهدم إنسانيتنا، ويحولنا إلى مسوخ لم نكن نتمنى يوماً أن نكونها.لعل الحرب كانت المرآة التي كشفت لكل إنسان حقيقته العارية، وجعلته يبصر قبح البشر بعين لا تعرف الرمد.