– السابع من حزيران في عام ٢٠١٨ –
في أوروبا حيث الهدوء تحديدًا في بريطانيا، تمتلك العائلة هناك منزلًا صغيرًا بين الغابات، كانت واقفة أمام المرآة الخاصة بالحمام الملحق بالطابق الأرضي تُمشِط شعرها الطويل حتى شعرت ببعض خصلاته تُشد بعنف للخلف، صرخت بصوت خافت ثم جمعته سريعًا في جديلة ورفعتها لأعلى، نظرت في المرآة لترى هيئتها فوجدت ظل لشخص عاري الصدر وجلده به بعض الحروق التي تظهر عظامه ملونة بلون الدماء، عينيه حمراء بها خط أسود طويل شبه بيضاوي كالقطط البرية، في جبينه خياطة جروح تُشكل منظر مُخيف، التفتت لتنظر بجوارها فلم تجد أحد، عقدت حاجبيها بخوف ثم نظرت في المرآة مرة أخرى فوجدت شخصين بنفس هيئة الرجل الأول، اتسعت عيناها بفزع ثم صرخت بأعلى صوت لديها حتى سقطت على الأرض فاقدة لوعيها.
في حجرة بلون السماء، بها بعض الصور والرسومات على الحائط لأشكال ال Mandela المختلفة على ورق أسود، لوحة سوداء فوقها اسم " ريما " وصورة تجمع بين فتاتين في صغرهم، كانت نائمة على الفراش وحوله أسرتها يحاولون إفاقتها، رمشت بعينيها عدة مرات حتى اعتادت على تلك الأضواء الصاخبة، كما تعلم يا صديقي فحساسية العيون تجعل رؤية الأضواء في الصباح مشوشة بعض الشيء، نظر لها والدها بحدة وغضب ثم قال وهو ينظر للجميع:
- أرأيتم إنها مخادعة كما اعتادت في صغرها عندما لا تريد الذهاب إلى المدرسة في الصباح، تظُن أن ذلك قد يجعلنا نتراجع عن أمر سفرها الفجائي إلى مصر
تركها الجميع ثم خرجوا بعد صياح والدها الحاد مثل كل ليلة، وانطفأت الأضواء ليتركوها تحظى ببعض الراحة، نظرت لأعلى تحاول استيعاب ما يلومونها عليه، هي لم تقرر السفر هراءً، بسبب الفضول.. هناك سرًا و الجميع يعلم ذلك، جلست على الفراش تدندن بأغانٍ قديمة ثم نهضت ووقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها المريضة وعينيها التي تغير لونها من الأزرق إلى الرمادي، عقدت حاجبيها أكثر، ليست المرة الأولى التي يتبدل بها لون عينيها في الأونة الأخيرة، ومن ثم دققت النظر وأضأت المصابيح لكنها استمعت لصوت فرقعة عالية تصدر من أحدهم وسقطت على الأرض وهي ترى المرآة أصبحت وكأنها شاشة تليفزيونية ينعكس عليها مشاهد من الصحراء لشاب وفتاة يافعة تتمسك بكرسيها الذي يشبه العرش وشعرها الغجري يعلوه تاج ذهبي على شكل ثعبان، استمعت لصوت طرقات على الباب واختفى ذلك المشهد عن المرآة مرة أخرى، دلفت الأخت الصغرى " تميمة " لتحدثها فجلست بجوارها وهي تقول:
- تميمة، اعتقد بأن..
قاطعتها " تميمة " وهي تضع يدها على ظهرها تربت عليه بحنو وكأنها والدتها، وليست ريما من تكبرها بعدة أعوام:
- ريما، على الرغم من أنني أصغر منك في السن لكنهم يظنون بأنكِ من تفعلين كل الأخطاء، ربما عليكِ توضيح الحقيقة لا يجب أن تدافعي عني في كل مرة وتعاقبين بمفردك!
ربتت على ظهرها لتزيح يدها ثم نهضت وهي تقول بنبرة هادئة:
- لا عليكِ، ربما هذا أفضل، اقترب موعد اللقاء في السفارة وأظن أنني قد أسافر بعيدًا فترة طويلة حتى إذا لم يوافقونني في ذلك، أريد أن أرى العالم بمنظور آخر غير منظورهم السخيف هذا!
- ولكن سفرك هروب، وعليكِ أن تتذكرِ دائمًا بأننا عائلة وأنهم يحبونك كثيرًا وأن سفرك إلى ذلك المنزل يعني أنك..
لم تكمل تميمة جملتها ثم خرجت من الحجرة وتركتها بمفردها، فهي على الرغم من أنها في السنة الأخيرة من التعليم الجامعي ولكن سذاجتها دائمًا تغلبها فهي تأخذ عقاب إخوتها بدلًا عنهم، تمتاز بذكاء فائق وأعين واسعة لا تعرف الكذب -كما أخبرتها أمها قبل وفاتها-، مثال للجمال كما يقولون بالمعنى الدقيق، استلقت على فراشها لتنام قبل أن تبدأ يوم جديد مشحون بشجار جديد مع والدها عن موضوع سفرها والغربة كما يعتقد أنها ستتركهم للأبد..
*****
في مكان يشبه المعابد الملكية في مصر القديمة، كانت أستار الليل تتدلى في السماء الصافية زرقاء داكنة إلا من مجموعة سحب متباعدة باللون الرمادي الفاتح والمقارب على اللون الأبيض ويتخلل ذلك اللون الأزرق نقط بيضاء صغيرة يعرفونها باسم " النجوم "، كانت إحداهم تلمع بشدة والجميع ينظر إليها لجمالها الأخاذ وبريقها اللامع، بدأت السحب تتلاشى شيئًا فشيء ليظهر ضوء باللون الأحمر فاقعٌ، بدأ الجميع في إنزال عيونهم أرضًا وكأنهم مجبرين على ذلك، وفجأة اهتزاز شديد أسفل قدميها جعلها تشهق بفزع وهي تعاود الجلوس على العرش الكبير راكضة بخوف والذي يشبه عروش الملوك الفراعنة، سمعت أصوات متداخلة تهتف باسمها وكلمات بلغة غير مفهومة وحروف لاتينية مرسومة على لوح شفاف، أحست بتشوش بسيط بدأ في عينيها لتسقط عن العرش وهي تصرخ من لون الدماء الذي بدأ يحاصر الغرفة الملكية والدماء المتناثرة على الحوائط وكرسي العرش المذهب الخاص بها، نظرت إلى بلورة زجاجية كبيرة كانت موضوعة على المسند الذهبي أعلى رأس ثعبان الكوبرا والتي تفتح فمها ولسانها ملفوف لتتمكن من إسناد تلك البلورة، دققت النظر بها حتى رأتها تتلون باللون الأحمر هي الأخرى ومكتوب بخط عريض أسود يمحي الدماء " القرابين "، اتسعت عينيها بذعر وهي تحاول النهوض لتتعثر عدة مرات قبل أن تسمع صوتًا يقول:
- جوليا ما الذي يحدث؟
- لا أعلم، لا أعلم يا أرخيليوس، ساعدني، ما هذا المكتوب؟ أي قرابين تلك؟!
سمع الاثنان صوت مواء قطة عالٍ فانتفضت هي لتنظر إلى قطة سوداء كبيرة لها فرو كثيف وأنياب تشبه الأسد قليلًا، عينيها حمراء غامضة، حاولت التراجع بجلستها ولكن القطة قفزت فوقها تنهش لحمها بأظافرها الطويلة لتفقد هي الوعي سريعًا..
في الخارج، شاب مفتول العضلات يقف أمام باب المعبد بشموخ، شعره طويل يصل إلى عنقه وكان يرتدي الزي الفرعوني المعتاد والذي كان متكون من قطع قماش من التيل الأبيض ملفوفة حول خصره وتصل فوق ركبتيه وعلى خصره شريط يثبت به رمحه، سمع صوت الصراخ في الداخل فدلف سريعًا ليرى ما الذي يحدث، وجد جوليا ساقطة على الأرض بجثة ممثلة وممزقة والحيطان مكتوب عليها بالدماء، خرج من المعبد راكضًا يستنجد بأحدهم فوجد الجميع نائمين على الأرض بأعين مفتوحة لا يظهر بها شيء سوى اللون الأبيض، نظر إلى الضوء الأحمر ثوانٍ قبل أن يسقط مثلهم جثة هامدة.