Qaed

Share to Social Media

تراكم الثلج بهدوء فوق موسكو، مُغطياً شوارعها العتيقة بوهج أبيض باهت يعكس أضواء المدينة الكهرمانية. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير، لكن موسكو لم تنم حقاً. في مكان ما في البعيد، كانت أجراس الكنائس تدق خافتة في هواء الشتاء، يتردد صداها فوق أسطح المنازل المتجمدة والشوارع الخالية.
في أعلى المدينة، على سطح مبنى حكومي مهجور، وقفت امرأة وحيدة تراقب.
لم تتحرك.
كأنها منحوتة من الجليد.
إيرينا فلاديميروفنا.
في الثالثة والعشرين من عمرها فقط، كانت تُعدّ من بين أمهر العملاء في أكثر أقسام المخابرات الروسية سرية. تلاشى معطفها الداكن في الظلال، بينما استقرت رقاقات الثلج برفق على شعرها الأسود.
كانت عيناها القرمزيتان مثبتتين على بناء بعيد عبر النهر المتجمد.
ترتفع أبراج الكرملين الحمراء كحراس قدامى، متوهجة في ظلمة الليل.
كان معظم سكان موسكو يعتقدون أن الكرملين ليس سوى قلب السياسة الروسية.
لكنهم كانوا مخطئين.
تحت تلك الجدران التاريخية يكمن عالم مختلف تمامًا - مراكز قيادة سرية، ومختبرات تحت الأرض، وشبكات استخبارات تمتد عبر العالم.
وفي مكان ما داخل تلك المتاهة يكمن سبب استدعاء إيرينا هذه الليلة.
سمعت نقرة خافتة في سماعة أذنها.
همس صوت رجولي هادئ: "فلاديميروفنا".
ضغطت بإصبعها المغطى بقفاز على جهاز الإرسال المخفي في ياقة قميصها.
"أنا هنا".
"هل لديك رؤية للهدف؟"
تحولت نظرتها قليلًا نحو النهر المتجمد في الأسفل.
"نعم".
على الضفة المقابلة، يقف مبنى حجري عادي. كانت نوافذها مظلمة، وواجهتها الخارجية خالية من الحراسة. بدت مهجورة لأي عابر سبيل.
أما بالنسبة لإيرينا، فكانت عكس ذلك تمامًا.
كانت مدخلًا.
"تقدمي."
زفرت إيرينا ببطء، فتشكل أنفاسها سحابة عابرة في الهواء البارد. دون تردد، استدارت من الحافة وانزلقت إلى داخل الدرج.
في الداخل، كان الهواء مثقلًا بالغبار والصدأ.
تذبذبت الأضواء وهي تنزل، خطوة تلو الأخرى في الظلام. تردد صدى خافت لخطواتها على الجدران الخرسانية.
معظم الجواسيس مدربون على التحرك بصمت.
لقد توغلت إيرينا أكثر - تحركت كأنها شيء غير موجود أصلًا.
في الأسفل، توقفت أمام باب معدني. لا مقبض. لا ثقب مفتاح. مجرد لوح زجاجي أسود صغير.
وضعت يدها عليه.
مر شعاع أحمر على كفها.
للحظة، لم يحدث شيء.
ثم، مع صوت أزيز ميكانيكي خفيف، انزلق الباب مفتوحًا.
خلفه امتد ممر تحت الأرض مضاء جيدًا - معقم، خاضع للرقابة، ولا يشبه بتاتًا المبنى المتداعي أعلاه.
جدران بيضاء. كاميرات مراقبة. حراس مسلحون يرتدون زيًا أسود.
تقدم أحدهم، غير متفاجئ.
"العميلة فلاديميروفنا."
أومأت برأسها إيماءة خفيفة.
"الجنرال سميرنوف ينتظر."
ظل نبضها منتظمًا، لكن ذهنها ازداد حدة.
نادرًا ما كان الجنرال أليكسي سميرنوف يستدعي العملاء شخصيًا.
وليس أبدًا في هذه الساعة.
سارت في الممر، يتردد صدى خطواتها في امتداده الخالي من الحياة. كل بضعة أمتار، كانت الماسحات الضوئية تعيد تقييم هويتها - التعرف على الوجه، والتحقق من الصوت، والتأكيد البيومتري.
أخيرًا، وصلت إلى باب فولاذي ضخم يحرسها جنديان.
فتحه أحدهما.
"ادخلي."
دخلت إيرينا.
كانت الغرفة واسعة. غطت صفوف من الشاشات الرقمية الجدران، تعرض الخرائط وصور الأقمار الصناعية وتدفقات البيانات العالمية.
في المنتصف، كانت هناك طاولة زجاجية سوداء طويلة.
على رأسها كان يقف رجل.
طويل القامة. صارم. لا يلين.
الجنرال أليكسي سميرنوف.
استدار ببطء مع اقترابها. شعره الرمادي وعيناه الباردتان تدلان على رجل قضى حياته في تشكيل مصائر الأمم.
"العميلة فلاديميروفنا."
استقامت. "نعم، أيها الجنرال."
حدق بها في صمت.
"هل تعلمين سبب وجودك هنا؟"
"لا."
صمت قصير.
"جيد."
أشار إلى شاشة.
ظهرت خريطة العالم. علامات حمراء تومض عبر القارات - واشنطن، لندن، باريس، برلين، بكين.
ضاقت عينا إيرينا.
أهداف عالمية.
قال سميرنوف بهدوء: "لعدة قرون، تنازع إمبراطوريات عظيمة على السيطرة على العالم."
بدأ يدور حول الطاولة.
"استخدم البعض الجيوش، واستخدم آخرون الثروة، واستخدم البعض... الأسرار."
توقف أمامها مباشرة.
"ستستخدم موسكو شيئًا آخر."
لم تنطق إيرينا بكلمة.
ضغط سميرنوف زرًا.
تغيرت الشاشة.
ظهر رمز غريب - كرة زجاجية حمراء كُتب عليها "الأراضي القديمة".
حتى من خلال الشاشة، بدا الأمر... غريبًا.
سألت: "ما هذا؟"
رمشت عينا سميرنوف.
"التاريخ."
اقتربت الصورة.
"أصدر الرئيس مرسومًا - لاستعادة الأراضي القديمة."
تحركت الشاشة مرة أخرى.
ظهرت غرفة ضخمة تحت الأرض، قديمة لكنها مُدعمة بمعدات حديثة. في مركزها قاعدة حجرية.
وُضعت عليها الكرة.
أضاءت بضوء خافت.
حية.
شعرت إيرينا بشيء يتحرك في صدرها - نبضة كهربائية خفيفة.
تابع سميرنوف: "يعتقد العلماء أن الأراضي التي كانت تحت سيطرتنا امتدت من ألاسكا إلى أوروبا الشرقية."
توقف للحظة.
"لكن هذا ليس الجزء المثير للاهتمام."
تغيرت الصورة مرة أخرى.
كان العديد من الباحثين ملقين على الأرض فاقدين للوعي.
"كل من حاول تشغيله فشل."
صمت للحظة.
"إلا واحد."
رفعت إيرينا رأسها ببطء.
"من؟"
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
"أنتِ."
للمرة الأولى في تلك الليلة، اهتزت رباطة جأشها.
"لم أره قط."
"لا،" قال بهدوء. "لم تريه."
استدار نحو باب جانبي.
"اتبعيني."
نزل المصعد.
الطابق الثالث.
الطابق السابع.
الطابق الثاني عشر.
ثم إلى أعماق أكبر.
انفتحت الأبواب.
خرجت إيرينا من الغرفة، ثم توقفت.
كانت المساحة أمامها شاسعة، أشبه بكاتدرائية. أحاطت جدران حجرية عتيقة بمنصة دائرية في مركزها.
وهناك كانت.
الكرة الحمراء.
كانت تنبض بضوء خافت، لا يكفي لإضاءة الغرفة، لكنه كافٍ ليُشعِرها... بالحياة.
عاد الإحساس.
أقوى الآن.
كنبض قلب.
راقبها سميرنوف بانتباه.
"هل تشعرين به؟"
ترددت.
"نعم."
أومأ برأسه ببطء.
"كما توقعنا."
اقترب من الكرة.
"هذا الجسم... يُعرف باسم النواة الذرية."
تردد صدى صوته في أرجاء الكهف.
حدقت إيرينا فيه، عاجزة عن إبعاد نظرها.
شيء ما في أعماقها أصرّ على أنها رأته من قبل.
مستحيل.
التفت إليها سميرنوف.
"الليلة، أيتها العميلة فلاديميروفنا..."
انخفض صوته إلى همس.
"ستوقظينه."
تذبذب الضوء الأحمر.
للحظة خاطفة، عابرة..رأته.
مدن تحترق.
جيوش تتقدم.
قادة يتوسلون.
وفوق كل ذلك موسكو.
خفق قلبها بشدة، بدأت الكرة بالتحرك.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.