Qaed

Share to Social Media

لم ينم المفتش آدم سوى ساعات قليلة.
كانت صورة الرمز الأسود وصوت الرجل المجهول يطاردانه منذ الليلة الماضية.
وقف أمام نافذة مكتبه مع أول خيوط الفجر وهو يراقب المدينة تستيقظ ببطء.
كان هناك شعور ثقيل في صدره، شعور يخبره أن القضية أكبر مما تظهره التقارير.
دخلت مريم وهي تحمل ملفًا جديدًا.
قالت:
"وصلت نتائج التحقيق الأولية."
جلس آدم خلف مكتبه وأشار إليها بالمتابعة.
فتحت الملف وقالت:
"تحركات الضحية خلال الأسبوع الأخير كانت غريبة."
رفع آدم نظره.
"كيف؟"
أجابت:
"فيصل الرشيدي أجرى عدة لقاءات سرية في أماكن مختلفة. لا توجد سجلات رسمية لهذه الاجتماعات."
"مع من؟"
هزت رأسها.
"لا نعرف بعد."
تبادل الاثنان نظرة صامتة..كل معلومة جديدة كانت تزيد الغموض بدلًا من أن تزيله.
بعد ساعات، وصل آدم إلى منزل الضحية، فاستقبلته أرملة فيصل الرشيدي بوجه شاحب وعينين متعبتين.
جلس في غرفة المعيشة وسألها بهدوء:
"هل لاحظتِ شيئًا غير معتاد في الأيام الأخيرة؟"
ترددت للحظة.
ثم قالت:
"كان خائفًا."
سجل آدم الملاحظة فورًا.
"ممن؟"
أجابت بصوت منخفض:
"لم يخبرني."
توقفت قليلًا قبل أن تضيف:
"لكنه كان يقفل مكتبه بالمفتاح حتى داخل المنزل."
نظر آدم نحو باب خشبي في نهاية الممر..مكتب الضحية.
بعد الحصول على إذن قانوني، بدأ فريق التحقيق تفتيش المكتب..لم يجدوا شيئًا مهمًا في البداية.
أوراق مالية، عقود تجارية، رسائل إلكترونية عادية.
لكن مريم لاحظت وجود فراغ صغير خلف أحد الرفوف، فقامت بدفعت اللوح الخشبي بحذر.
فانفتح تجويف سري داخل الجدار..اقترب الجميع بسرعة..كان بداخله صندوق معدني صغير.
فتحوه، وفي داخله وجدوا، مفتاحًا قديماً، وصورة باهتة، وثلاث كلمات مكتوبة بخط اليد:
"لا تثق بأحد."
ساد الصمت.
قال أحد الضباط:
"رسالة من الضحية؟"
أجاب آدم:
"ربما."
لكنه لم يكن مقتنعًا..شيء ما في العبارة بدا وكأنه تحذير موجّه لمن سيأتي بعده.
في المساء، بدأ الفريق دراسة الصورة القديمة.
ظهرت فيها أربعة رجال يقفون أمام مبنى مهجور..كان فيصل الرشيدي واحدًا منهم.
أما الثلاثة الآخرون فلم يتعرف أحد عليهم، ان إلا آدم، حدق بالصورة طويلًا.
ثم قال:
"أعرف أحد هؤلاء."
اقترب الجميع، وأشار إلى رجل يقف في الخلف.
"اسمه عاصم الجاسم."
سأل أحد الضباط:
"من هو؟"
أجاب آدم:
"ضابط سابق اختفى قبل سنوات."
ارتفعت الدهشة على الوجوه. ان اختفاء ضابط سابق مع وجوده في صورة الضحية المقتول لم يكن أمرًا يمكن تجاهله.
في اليوم التالي، قادت التحريات الفريق إلى شقة عاصم الجاسم.
كانت الشقة مهجورة منذ مدة طويلة، الغبار يغطي الأثاث، والصمت يملأ المكان.
بدأ رجال الأدلة الجنائية البحث، وبعد دقائق نادى أحدهم:
"سيدي!"
اتجه آدم بسرعة.
وجد الضابط واقفًا أمام خزانة قديمة، وداخلها ملفات محترقة جزئيًا.
التقط آدم إحدى الصفحات..كانت معظم الكلمات تالفة، لكن جملة واحدة بقيت واضحة:
"العملية ستبدأ قريبًا."
وتحتها الرمز الأسود نفسه..شعر آدم بأن خيوط الماضي تعود للحياة من جديد.
في تلك الليلة، عقد اجتماعًا عاجلًا لفريقه..قال وهو يعرض الأدلة على الشاشة:
"لدينا رجل أعمال مقتول."
"ضابط سابق مختفٍ."
"رمز واحد يتكرر في كل مكان."
"ورسائل تحذير مجهولة."
سأل أحد الضباط:
"هل تعتقد أن جماعة أبو جهاد عادت فعلًا؟"
صمت آدم.
ثم قال:
"لا أملك دليلًا كافيًا."
لكنه في داخله كان يخشى أن تكون الإجابة نعم.
انتهى الاجتماع بعد منتصف الليل، وبقي آدم وحده في مكتبه.
أعاد النظر إلى الصورة القديمة مرة أخرى، ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه سابقًا.
في زاوية الصورة ظهر شخص خامس..وجهه غير واضح بسبب الظلال، ولكن جزءًا من ملامحه كان ظاهرًا.
اقترب آدم من الشاشة، وكبر الصورة، ثم تجمد في مكانه..لقد تعرف على ذلك الوجه.
كان الوجه يعود لشخص يعمل حاليًا داخل إحدى المؤسسات الأمنية الرسمية.
شخص يملك صلاحية الوصول إلى معلومات حساسة للغاية..شخص لم يكن من المفترض أن يكون مرتبطًا
بهذه القضية أبدًا.
همس آدم لنفسه:
"هذا مستحيل..."
لكن الأدلة أمامه كانت تقول غير ذلك، وفي تلك اللحظة أدرك أن الخطر ربما لا يأتي من الخارج فقط.
بل من داخل المؤسسة نفسها.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.