لم يغادر المفتش آدم موقف السيارات فور العثور على الصورة.
ظل واقفًا تحت ضوء المصباح الخافت وهو يتأمل الورقة بين يديه. كان واضحًا أن من أرسل الرسالة يراقبه منذ فترة.
لم تكن تهديدًا عشوائيًا، كانت رسالة مقصودة بدقة..رسالة تقول إن خصمه يعرف أين يعيش، وأين يعمل،
ومتى يتحرك.
للمرة الأولى منذ بداية القضية، شعر آدم أن الخطر أصبح شخصيًا.
في صباح اليوم التالي، استدعى اجتماعًا عاجلًا لفريق التحقيق.
عرض صورة الرسالة على الشاشة..ساد الصمت داخل الغرفة.
قالت مريم:
"هذا يعني أنهم يراقبونك منذ أيام على الأقل."
أجاب آدم:
"أو يراقبون الفريق كله."
نظر الضباط إلى بعضهم البعض بقلق.
ثم أضاف:
"من هذه اللحظة، أي معلومة تتعلق بالقضية تبقى داخل هذه الغرفة فقط."
كان الجميع يفهم سبب ذلك..إذا كان هناك شخص داخل المؤسسة يسرّب المعلومات،
فإن أي خطأ قد يدمّر التحقيق بالكامل.
في الوقت نفسه، واصل الفريق تحليل الملفات المستخرجة من بطاقة الذاكرة..بعد ساعات من العمل،
تمكنت مريم من استعادة ملف محذوف جزئيًا.
ظهر على الشاشة جدول يحتوي على تواريخ وأسماء وأرقام، لكن معظم البيانات كانت تالفة.
مع ذلك، بقي اسم واحد واضحًا بالكامل.
"سمير الحاتم"
توقف آدم فجأة..كان الاسم مألوفًا..فتح قاعدة البيانات الأمنية، وبعد دقائق ظهرت المعلومات.
سمير الحاتم..محاسب سابق في إحدى الشركات التابعة لفيصل الرشيدي.
اختفى من عمله قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الوقت لم يسجل أي نشاط رسمي باسمه.
قالت مريم:
"قد يكون شاهدًا."
أجاب آدم:
"أو مشتبهًا به."
استغرقت عملية تعقبه يومين كاملين، وأخيرًا عثروا على عنوان قديم في إحدى ضواحي المدينة.
توجه آدم مع فريق صغير إلى هناك. كان المنزل متواضعًا ومعزولًا..طرقوا الباب..لا إجابة.
طرقوا مرة أخرى..لا شيء..أشار آدم لأحد الضباط، فتم فتح الباب بحذر، ودخلوا.
كان المنزل مرتبًا بشكل غريب، كأن صاحبه غادره قبل دقائق فقط..لكن شيئًا واحدًا أثار انتباه آدم.
فنجان قهوة ما زال دافئًا، فنظر إلى مريم.
قالت بهدوء:
"لقد كان هنا."
بدأ الفريق تفتيش المنزل، وفي إحدى الغرف عثروا على دفتر ملاحظات صغير.
فتح آدم الصفحات بسرعة..معظمها احتوى على أرقام وملاحظات مالية، لكن إحدى الصفحات كانت مختلفة.
احتوت على أسماء أربعة أشخاص، ثلاثة منهم مشطوب عليهم بقلم أحمر.
أما الاسم الرابع فكانن "عاصم الجاسم"
تجمد آدم للحظة..الضابط المختفي عاد للظهور من جديد، لكن هذه المرة بطريقة أكثر غموضًا.
قبل مغادرتهم المنزل، سمع أحد الضباط صوت محرك سيارة ينطلق بسرعة خلف المبنى.
ركض الجميع إلى الخارج، لكن السيارة كانت تبتعد بالفعل، مباشرة قفز آدم إلى مركبته، وانطلقت المطاردة.
اخترقت السيارتان الشوارع الضيقة بسرعة كبيرة..كان السائق المجهول يعرف الطرق جيدًا.
في كل منعطف كان يبتعد أكثر، ثم فجأة انعطف إلى شارع مهجور..ضغط آدم على دواسة الوقود.
لكن عندما وصل إلى نهاية الشارع، لم يجد شيئًا..اختفت السيارة، وكأنها تبخرت.
عاد الفريق بخيبة أمل، لكن المفاجأة كانت بانتظارهم..أثناء مراجعة كاميرات المراقبة القريبة،
تمكنت مريم من التقاط صورة للسائق الهارب..ظهرت الصورة ضبابية، لكن الوجه كان واضحًا بما يكفي
للتعرف عليه..نظر آدم إلى الشاشة، ثم اتسعت عيناه..لقد رأى الرجل من قبل..ليس في ملف أمني.
وليس في صورة قديمة، بل في جنازة فيصل الرشيدي نفسه. كان أحد المعزين الذين وقفوا بصمت بين الحضور.
شخص بدا يومها عاديًا تمامًا، لكن الآن أصبح جزءًا من اللغز.
في تلك الليلة، جلس آدم وحيدًا يراجع جميع الأدلة.
الضحية..عاصم الجاسم، وسمير الحاتم..الرمز الأسود، والرجل الغامض في الجنازة.
كانت الخيوط تتشابك أكثر فأكثر، ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه سابقًا..التواريخ الموجودة في الملف المحذوف
من بطاقة الذاكرة، كلها كانت تسبق أحداثًا مهمة بأيام قليلة..مكالمات، اجتماعات..اختفاء أشخاص.
وحوادث غامضة، وكأن شخصًا ما كان يخطط لكل شيء مسبقًا.
أخذ نفسًا عميقًا..ثم بدأ بمقارنة آخر تاريخ في القائمة مع التقويم الحالي، وفجأة شعر ببرودة تسري في جسده.
آخر تاريخ لم يكن في الماضي، بل بعد ثلاثة أيام فقط، وكان بجانبه تعليق قصير:
"المرحلة الوسطى."
رفع آدم رأسه ببطء..إذا كان تفسيره صحيحًا، فهذا يعني أن ما حدث حتى الآن لم يكن سوى البداية.
وأن الجريمة القادمة لم تقع بعد.