JouriMejahdi

Share to Social Media

سوفرناي
(1)
يقولون: إن الشر هو الذي يجعل البنت القوية تنسى من كانت، قبل أن تلمس العربة، لتبدأ حياة جديدة لاتشبهها.
أنا سوفيرا عمري 11 سنة، أدرس في متوسطة فاندر بيلت، ويصفوني أصدقائي بالبنت القوية، وأما وصفي الخارجي لا داعي لي شرارة خارجي، فشكل شعري البرتقالي وعيني الزرقاوين، وخدودي الوردين توحي الى شعلة نار.
كان عامي الأول في المتوسطة حيث رأيت المتوسطة كلقصر، طويلة جداً تمتلك مساحة خضراء، قبل أن تخطوا سلمها الأول تشعر برائحة الجوري الزكية، التي تفوحوا في أي مكان.
دخلت والنار متجمدة في لا تنهار ولاكن أبي دائما يقول لي: «يا سوفيرا إن الشئ لاينفعك في حياتك، فلبهجة هي أساسك، فمتوسطة لا تحتاج الى شرا وقوة مثلكي فتغيري»
رمية كلاً كلامه في داخلي، لي يبقى يوم ما أتذكره، فتحت باب المتوسطة، وفي يوم الأول إكتشفت أن الأقسام كحجم جبل، فيدرس معك الكثير من البشر.
دخلت ولباسي الأسود فاقع على شكل الجذاب، دخلت والبنات يرون في نضرات حسد ولكن لم يكونوا يعرفوا، هناك سوفيرا ذات البنت القوية، لمست قدماي أول درجاً و كانت الممرات تضج بالضحكات ونضرات البغض و الحسد تلاحق ردائي الأسود، وفجأة... توقف كل شئ، شعرت بكلام والدي التي رميتها في داخلي، تهتز وكأنه تحاول كبح وحش، يوشك على الخروج.

لم يكن الحسد والبغض هو ما يضايقني بل محاولتهم من تقليل من شأني، نظرت إلى يدي وبدأت الخطوط الأرجواني تتوهج خلف بشرتي ونبضت عروقي بقوة، رفعت عيني الزرقوتين التي تحولت إلى جليداً حارق، وقلت بصوت خافت جعلى الجدران تهتز: "ألم يخبركم أحد ... أن النار البرتقالية لاتحرق إلا من يقترب من سرها!"
وفي تلك اللحظة فاحت رائحة الجوري بقوة مبالغة فيها، لا كنها لم تكن رائحة ناعمة هذه المرة، بل كانت رائحة تنذر بالعاصفة.
لم يعودوا يرونني البنت الجذاب فحسب بل رأوا سوفيرا القوة التي حذرتها الجميع التي لا تهزم.
وفي تلك الدقيقة هربنا الحسادات والغيورات وليس هم فقط بل كل الممرات، ولكن بنت تدعى ليليا جلست ترائف في سوفيرا وكانت نضراتها تحمل نوعاً من الحزن أو ربما المعرفة، وكأنها رأت هذا المشهد من قبل أو كأنها تعرف الثمن الباهض الذي ستدفعه سوفيرا مقابل هذه القوة.
قطعت ليليا الصمت وسط الحرب المهاجرة : « لاتحرقي الممر ياسوفيرا ... النار التي تبدأ من هنا لاتنطفئ».
كانت سوفيرا في لحظة استغراب، وكأنها أول مرة تنصت الى هاذا الكلام بدا على وجهها علامات من الإستغراب "ما هو المعنى؟ لم تخف مثل باقي الناس، كيف؟ لماذا تجرأت على كلاما مثل هذا!"قالت ليليا": يا سوفيرا بدى على وجهك علامات من الإستغراب، إن لم تكن تعرفيني، أنا ليليا البنت المحترمة لطيفة مع الناس البريئة، إن كنت تري نفسك قوية أو شريرة فلشرارة والقوة تخبأ في داخل"
قالت سوفيرا بصوت عالٍ: " كفى كفى وكيف تعرفين كل شيئ عني ؟
قالت لي بصوت هادئ: ههه ياسوفيرا أنا البنت المحترمة فيأتيني كل الأخبار الدراسية
إنصرفت "سوفيرا"، من ذلك المكان ذهبت الى قاعة المحافظ فتحت باب الخزان وكأنها أول مرة لتضع فيه محفظته رأت رسالة داخل الخزانة كتب فيها«سوفيرا التغير يشدي نفع فيك، والمصايب تأتيك والتخلي يفتح باب لكي »بدأت سوفيرا ترتجف وغرغرة عيناه توشك على البكي ، خرجت من المخازن وذهبت الى الحمام .
دخلت وتنفسي ينبض بقوة ، رأيت نفسي في المرأت رأي كتابة كتب فيها "ههه يالي للشراره والقوة التي تحرحر في خارجك وذنوب لغرغر مغرغرة في جهنم "
خرجت من المتوسطة بأكمله ذهبت لي ممر السوائق فأجرت سائق لذهاب إلى البحر ذهب السائق إلى البحر ولاكن؛ سوفيرا لم تكن تعرف أن السائق هو شخص يراقب فيها وكان يدعى ليرس بير ، كان هذا الشخص لا يود لها الأذى بل كان يود أن يحميه من أي أذى تودو مواجهته .
وصلت سوفيرا إلى البحر فقالت قائلاً :"كم سعر توصيل
قال ليرس بير "لا أحتاج لي أي مال، اذهبي وإهتمي بنفسك "
مهما أن ليرس بير كان عنيداً جداً واتته صعوبة من تحمل المزيد من التعنيد
قالت سوفيرا:"شكراً شكراً جزيلاً
أول مرة تشكرت سوفيرا شخص بدا عليها تغير إنطفأ، أو ربما شيئ آخر
بعد أن غادر ليرس بير بقية سوفيرا وحدها أمام البحر وكان الطقس بارداً لاكن كان قلبي يشتعل من الداخل فكيت شعري البرتقالي لي يرتاح ، جلست على مياه البحر المموجة وكان الهدوء يشد صمت البحر ولكن حركه المياه المموجة كانت تجعل سوفيرا تفكر في المتوسطة وكلمات الغامضة التي كانت تقولها ليليا.
نظرت سوفيرا إلى مياه البحر الأجاج ، ولم تعد تسمع ضجيج المتوسطة بل سمعت صوت قوتها الجديدة لم يكن الوقت وقت رحيل بل وقت تخلي
"وقفت سوفيرا، نفضت رمال الشاطئ عن فستانها، ونظرت للموج نظرة أخير .
لم تكن بحاجة لوعود طويلة؛ بل كان يكفيه ذلك الشعور بلخفة الذي سكن قلبها فجأة.
لقد أختارت { التخلي} وتركت البحر حريته
بعد أن تركت "سوفيرا" البحر، عادت إلى شوارع المدينة "ماركتغاس"، لكن كل شيء بدا في عينيها مختلفاً؛ فالأضواء التي كانت تبدو حارقة لها صارت جميلة، والناس الذين كانت تخشاهم صاروا مجرد عابرين. بدأ العابرون يهتفون بكلامٍ: "كيف ولماذا لم تحرق سوفيرا قلوبنا؟".
بدت "سوفيرا" كأنها لم تعر اهتماماً لكلامهم حتى وصلت إلى بيتها. ما معنى الابتسامة؟ لم ترجع؛ لأنها لم تعلم عنها شيئاً منذ مدة أو من قبل. دخلت "سوفيرا" مباشرةً إلى غرفتها ونظرت إلى المرآة.. لقد بدأ كل شيء الآن.
خرجت "سوفيرا" من الغرفة ومرت بوالدها وقالت له:
"يا أبتِ، لقد رأيت حنانك الواسع الذي غمرتني به منذ تفتحت عيناي، أنت أجمل أب".
انخلع الأب خلعة حياته؛ لأن ابنته ولأول مرة تقول مثل هذا الكلام الجميل، فمن قبل كانت كلماتها متنوعة عن الشرارة والقوة. احتضنتُ أبي الذي لم أرَ منه مكروهاً، إلا شيئاً كان يحرقني في القديم لكني لا أعرفه. أخبرتُ أبي عن "التخلي" الذي كان قراري الحقيقي، وقلت له بنبرة هادئة:
"يا والدي، لقد صدر مني قرار بالتخلي عن الشرارة والقوة التي كانت خارجة، فستكون مخبأةً في داخلي".
دمعت عينا أبي، لكن الدموع لم أعرفها جيداً؛ رأيت دموعاً مختلفة عن الفرح. سكت لوهلة، ثم قال لي: "اذهبي إلى غرفتكِ فقد حلّ الظلام". ذهبتُ إلى الغرفة وجلستُ على السرير الناعم، لكن في تلك اللحظة شعرتُ بغصة مفاجئة؛ حيث رأيت من النافذة "ليرس بير" يقف بعيداً في الظلام، وينظر إليّ نظرة المالك الجديد!
غيرتُ نظرتي إلى السرير محاولةً تغيير الغصة. أردت النوم، لكن السرير لم يكن ناعماً كما ظننت، بل كان يشبه رمال الشاطئ الأجاج التي نفضتها عن فستاني. أغمضتُ عيني، لكن صورة "ليرس بير" وهو يقف كالملك في الظلام كانت محفورة تحت جفوني. حاولت النوم فلم أستطع، تذكرت أن الساعة المتأخرة تنومني، فرأيت الساعة تشير إلى 3:00 ليلاً.
نمتُ وغصت في حلم؛ رأيت نفسي في "أرض الورود" وهي تحترق لتتحول إلى رماد، ومن الرماد أخرج أقوى وأطيب. نهضتُ من الحلم الفازع ولم أفهم معناه. جلستُ عند النافذة حتى صباح الغد، وعيناي لم يصبهم كرى.
ذهبتُ إلى المتوسطة مستقلةً سيارة أجرة، لكن رأيت مرة أخرى "ليرس بير" السيد العجوز. لِمَ لم آخذ اهتماماً له؟ ونفس المرة، لم يقبل المال، كأنني لم أعرفه قط أو لم أره.
خطوتُ السلم الأول من "فاندر بيلت" وشممت رائحة الجوري الناعمة. دخلتُ ورأيت "ليليا" وكأنني لم أعرف الماضي. ابتسمتُ وشعرت بلمسة خفية في روحي، احتضنتُ "ليليا"؛ كانت ثاني احتضان وأول ابتسامة لي، وكأن "ليليا" غرست في روحي لمسة من حياتي لتتغير.
بدا على الساحة صمت شديد إثر احتضاني لـ "ليليا"، وظهر الاستغراب على وجهها. ابتسمتُ ابتسامة عريضة وقلت:
"يا ليليا، لقد غرستِ فيّ جمال الروح والطيبة، ودفنتُ في داخلي الشرارة والقوة "
قالت ليليا: "يا سوفيرا، تغيرتِ تغيراً كبيراً عن البداية، ما هو الشيء الذي أثر في روحكِ؟ هل هي الكلمات التي كانت موجودة في الخزانة والمرآة؟"
أجابت سوفيرا بهدوء: "ليس فقط هذه الكلمات، بل كان هناك شيء يؤرق داخلي؛ سوادٌ لم أتمكن من فك شفرته. لقد تخليت عن تلك الشرارة التي كانت قصة للجميع، فالطيبة والكرامة علمتاني أن الحياة بدونهما ينقصها كل شيء، والمرح واللهو هما أساس طفولتي وكنزي لبدء صفحة بيضاء من جديد."
قالت ليليا ببهجة: "هذه الكلمات الرائعة جميلة جداً، توحي أنكِ قد أنهيتِ الماضي وبدأتِ برد الجميل عن كل مكروه. ولكن يا سوفيرا، ما هو الشيء الذي جعلكِ قبل أن تصيري هكذا.. أعني، ما الذي جعلكِ شريرة وقوية بهذه القوة؟"
قلت: "يا ليليا، أول مرة أسمع مثل هذا السؤال، ولكن القسوة والشرارة في خارجي لم تكن الشيء الوحيد الذي أثر في عُقدي، فالعبرة التي تأتيني فجأة هي التي غرست فيّ القسوة، ومع ذلك تغلبتُ عليها بفضلِك، إلا تلك الغصة الوحيدة التي لم أتمكن من تجاوزها."
ردت ليليا وعلى وجهها علامات الحزن: "آه يا سوفيرا، يا ليتني أقدر أن أبعدكِ عن هذه الغصة، لكنها لا تنتهي. هناك شيء في بيتكِ شعرتُ به، لكنه ليس جميلاً بل محزن، أنا آسفة جداً."
فتحت سوفيرا شعرها ليرتاح قليلاً من ربطة "ذيل الحصان" وقالت وهي تبكي: "ليليا، في الأمس ظهر السائق الذي ركبتُ معه عند خروجي من المتوسطة وكأنه المالك الجديد، لقد ظهر في النافذة وأتتني غصة مفاجئة. أما عن السرير الناعم الذي كنتُ عليه، فقد كان كرمال الشاطئ، وبعدها غصة في حلم بأنني في أرض الورود وهي تحترق لتتحول إلى رماد، ومن الرماد أخرجُ أقوى وأطيب."
ردت ليليا: "يا له من شيء عظيم! كانت الليلة كجهنم.. آسفة يا سوفيرا، لكن الحلم يشي بأن هناك فراقاً كبيراً وبحثاً عميقاً."
بعد كلمات ليليا المزلزلة عن الفراق والبحث العميق، نظرت سوفيرا نحو أبيها، رأته يقف ببرود يمسح يديه وكأنه تخلص من عبء ثقيل، بينما كانت الابتسامة التي طالما خدعتها تتلاشى من وجهه تدريجياً.
اقترب السيد العجوز "ليرسبير" بخطوات واثقة، وأخرج كيساً من القماش يخرج منه رنين الذهب، وضعه في يد أبيها الذي كانت تظنه حقاً أباً لها، ولكنه كان مجرد مربٍّ. نظر إليها نظرة باردة كالثلج، لم تكن نظرة ملك، بل نظرة مالكٍ اشترى لتوه أغلى ما تملك هذه الفتاة: حريتها.
قالت سوفيرا، وصوتها يكاد يختفي من هول الصدمة: "أبي! أهذا هو الحب الذي كنت تدعيه؟ كنت تود قتلي والآن تبيعني إلى هذا الغريب وكأنني مجرد إكسسوار من تلك التي أصنعها؟"
لم يرد المربي، بل عدّ الذهب ببرود وأشار للعجوز أن يأخذها. في تلك اللحظة، أحست سوفيرا أن أرض الورود التي حلمت بها لم تكن في الخارج، بل كانت تحرق روحها من الداخل. التفتت سوفيرا نحو ليليا التي كانت تراقب المشهد بدموع صامتة، وهمست لها والشرارة الأرجوانية تشتعل في عينيها هذه المرة بغضب:
"ليليا، لقد صدق حلمكِ، كانت الليلة كجهنم. والبحث العميق لن يكون عن أسرتي فقط، بل سيكون رحلة شاقة كالبحث عن كنز مفقود."
أمسك العجوز بمعصم سوفيرا بقوة، فقالت وهي تحاول جاهدة أن تفلت يدها من قبضته الحديدية: "ليليا، انظري إلى الرجل الذي علمني كيف أمشي.. هو نفسه الذي باع خطوتي الأولى!"
كيف يبتسم الصباح وفي يد المربي ذهب مغموس بدمي؟ في تلك اللحظة لم تجد ليليا القوة لترد بالكلمات، بل مدت يدها متجهة نحو جيبها وأخرجت قطعة خرز زرقاء صغيرة ورمتها نحو سوفيرا، وهي تهمس بصوت يقطعه الألم: "سوفيرا، الرماد.. تذكري الرماد، لا تنظري إلى الذهب الذي في يده، بل انظري إلى النار التي في عينيك".
الفراق الكبير بدأ، لكن البحث العميق سيكشف لهم أنهم باعوا ملكة ولم يبيعوا مجرد فتاة. وعندما سحبها العجوز نحو العربة صرخت سوفيرا؛ صرخة هزت أركان المكان، صرخة لم تكن حزناً بل كانت وعداً. التفتت إلى المربي الذي كان يخبئ الذهب في جيبه وقالت ببرود مخيف: "إن كنت مربياً حقيقياً، إنك لم تبعني اليوم؛ سيحترق جيبك، والصورة التي أحملها ستكون حبل المشنقة لكل من خانني".
رماها العجوز داخل العربة المظلمة وأغلق الباب بقوة، تاركاً سوفيرا في ظلام دامس لا يضيئه سوى بريق الخاتم الفضي ورائحة الجوري التي بدأت تختنق بدخان الخيانة.
بعدما دخلتُ إلى تلك العربة المظلمة، كان هناك شيء واحد يلمع فيها، وهو الخاتم الفضي الذي كانت تتوسطه خرزة كبيرة. بدأتُ أقول لتلك الخرزة: "لم أكن أعرف حقيقة أبي الذي كنتُ أناديه بصوتي الخشن: يا أبتي". تلك النعمة، والابتسامة التي كانت لا تفارق وجهه.. ولكنني الآن فهمت. أضفتُ: "حتى وإن لم يكن أبي، فالأطفال يُباعون لمربياتهم، لكنه لا يبيع ولا يقتل".
انفتح باب العربة بصرير هادئ، فدخل ضوء القمر الشاحب، وتسلل الضباب إلى الداخل ليلف أطراف رداء "سوفيرا" الأسود. نظرت "سوفيرا" إلى العجوز بعينين واسعتين يملؤهما الحزن والطيبة، وقبضت بيدها برفق على الخاتم الفضي في جيبها، ثم قالت بصوت خافت ونبرة صادقة: "سأخرج، ولكن قبل أن تتركني لهذا الليل، أخبرني بطيبتك؛ هل هذا الظلام الذي أرسلني إليه أبي هو عقاب لأنني تركتُ شري، أم أنه الطريق الوحيد لأجد عائلتي التي ينتمي إليها هذا الخاتم؟".
صمت العجوز قليلاً ونظر إلى دموعها التي لم تجف، ثم مد يده ليساعدها على النزول وقال بصوت أجش: "يا ابنتي، الظلام لا يفرق بين الطيب والشرير، لكنه يخشى من يملك الحقيقة. اخرجي، فالمكان الذي وصلنا إليه لا يستقبل إلا الصادقين مع أنفسهم".
نزلت "سوفيرا"، فلامست قدماها الأرض الباردة، وشعرت بأنفاس الطبيعة من حولها كأنها ترحب بقدوم الملكة التي فككت قيودها لتبدأ البحث الحقيقي. بعد أن نزلت "سوفيرا" من العربة ولمست قدماها الأرض الباردة، التفتت إلى العجوز بنظرة مليئة بالطيبة الممزوجة بالحزن وقالت له بصوت خافت: "لكن أخبرني، هل هذا المكان هو الذي سيعيد رائحة عائلتي؟".
لم يبتعد العجوز، بل وقف بجانبها وأمسك بمصباح خافت يصارع عتمة الليل، ثم نظر إليها بوقار: "امشي بجانبي يا ابنتي ولا تنظري إلى خلفكِ أبداً، فالعربة التي أتت بكِ إلى هنا لن تعيدنا إلى هذا المكان، والطريق أمامنا طويل".
بدأت تمشي بخطوات هادئة ورداؤها يُجر خلفها على الحجارة، والعجوز يرافقها بصمت مهيب. كانت تشعر ببرد الليلة يخترق عظامها، لكنها كانت تضم يدها على الخاتم الفضي في جيبها وكأنها تستمد منه الدفء والشجاعة لتواجه ما يخبئه لها هذا المسار الغامض.
فجأة، انطفأ المصباح حيث كانت "سوفيرا" تستمد من الخاتم الفضي الشجاعة والدفء. خيّم الظلام القاتم، وتوقفت أنفاس "سوفيرا"، وجلست أمام العربة الخشبية التي كان يجرها حصان يصهل بصوته الخشن.
بدت على العجوز علامات الاستفهام: "كيف انطفأ المصباح وقد اشتريته في الصباح؟". لم يعرِ المصباح اهتماماً كبيراً، لكنه صبّ اهتمامه على "سوفيرا" التي كانت في حالة خوف وجمود. رأت في يدها ضوءاً يلمع وهي تسند يدها إلى جسدها، فجأة رأت الخاتم الذي كان يشع منه ذلك الضوء الذي قهر عتمة الظلام بنوره، ورأت السيد العجوز الذي كانت ملامحه تتضح بوجهه الأبيض وعينيه وشعره الرمادي.
ورأت في الخاتم والدتها وهي تحملها، ولكن الصورة لم تكن ملونة بل كانت منقوشة؛ لم تتمكن من رؤية تفاصيلها كاملة، لكنها أيقنت أن هذا هو البحث الذي سينقذ حياتها.
"يا سيدي، هل ستتركني وحيدة هنا أم أنك ستأخذني معك؟".
قال: "بالطبع لا، سأبقى. كيف سأتركك تجلسين في هذا الظلام الدامس في هذا العمر؟".
"شكراً.. شكراً يا سيدي ليرس بير".
"يا سوفيرا، من اليوم لا تناديني بسيدي، بل بعمي ليرس بير".

بعد أن قال لها: "يا سوفيرا، من اليوم لا تناديني بسيدي بل بعمي ليرس بير"، شعرت سوفيرا براحة غريبة تسكن قلبها. نظرت إلى الحجرة المفتوحة حيث كانت العربة البنية البسيطة وغيرُها الوحيد ينتظران في صمت مهيب.
صعدت سوفيرا والعم ليرس بير، وبدأت العربة تتحرك ببطء خارج حدود ذلك المكان المظلم؛ كانت هذه هي البداية.
قالت سوفيرا وهي تراقب الطريق من نافذة العربة البسيطة:
— عمي، هل سنقطع مسافة طويلة عبر هذه البلدان؟
— نعم، سنقطع بلاداً كثيرة، والهدف هو أن تبحثي عن أسرتك التي تنتظرك في مكان ما. لكن الطريق طويل، إذاً سنعمل في هذه الرحلة على أنفسنا لكي نكون مستعدين لكل ما سنواجه.
أمسك ليرس بير بمقود الخيل الواحد وبدأ الخيل يسرع في خطاه، بينما كانت سوفيرا غارقة في صمتها تفكر في كلماته: "البحث عن الأسرة والعمل على النفس... كيف ستبدأ هذه المهمة الصعبة؟".
نظرت سوفيرا من نافذة العربة البنية البسيطة إلى ظهر الخيل الذي يشق الضباب بقوة، وشعرت أن هذا الخيل ليس مجرد حيوان يجر العربة، بل هو شريكهم في هذه الرحلة الطويلة عبر البلدان. مالت برأسها قليلاً وقالت في نفسها: "بما أننا سنبدأ حياة جديدة ونبحث عن عائلتي ونعمل على تقوية أنفسنا، فلابد لهذا الخيل الصامد من اسم يليق به وبقوته".
التفتت إلى عمها وسألته بهدوء:
— عمي، هذا الخيل الذي يرافقنا في طريقنا الصعب أليس له اسم؟ أشعر أنه يحتاج لاسماً يمنحه القوة كلما ناديناه به وسط هذه البلدان الغريبة.
— لم أطلق عليه اسماً يا سوفيرا، كنت أناديه فقط برفيق الطريق. لكن بما أنكِ الآن معي، فالحق لكِ في أن تختاري له الاسم الذي تريدينه في قلبكِ.
عادت سوفيرا لتتأمل حركة الخيل الواثقة، وبدأت الأسماء تمر في ذهنيها مثل النجوم، ثم قالت بصوت يملؤه البهجة:
— لقد اخترت له اسماً يا عمي، سنناديه "مجلي".
— اسم رائع يا ابنتي! فهو الذي سيجلي لنا دروب هذه البلدان.
وبمجرد أن نطقا الاسم، زاد مجلي سرعة وكأنه استمد طاقة جديدة من حروف اسمه. وبدأت ملامح البلاد الأولى تظهر في الأفق؛ كانت جدرانها عالية وبيوتها متلاصقة بشكل غريب، وكأنها خلف أبوابها أسرار العائلات التي ضاعت.
وضع ليرس بير يده على كتفي سوفيرا وقال:
— الآن يا سوفيرا بدأت المهمة الصعبة، وبينما يقودنا مجلي عبر هذه الشوارع، سنبدأ خطوة في العمل على أنفسنا؛ فالبحث عن أسرتك يتطلب منا قوة لم نملكها من قبل.
بدأت سوفيرا تشعر بدقات قلبها تتسارع وهي تراقب أول ممر في هذا البلد الجديد: "هل سأجد خيطاً يوصلني لأبي وأمي؟". توقف العم ليرس بير بجانب العربة البنية ونظر إلى ملابس سوفيرا ثم إلى ملابسه القديمة. كان الجو في إيطاليا يوحي بالجد والنشاط، فالتفت إليها وقال بلهجة عملية:
— يا سوفيرا، قبل أن نبدأ بالبحث عن أسرتكِ وقبل أن ندع أيدينا تعمل لكسب قوتنا، علينا أن نغير مظهرنا. سأشتري لكِ ولي ملابس تكون مناسبة للعمل الشاق؛ ملابس قوية لا تمزقها الحجارة ولا يفسدها التعب.
نظرت سوفيرا إلى يدها حيث خاتمها المنطفئ، ثم إلى عمها وقالت باقتناع:
— أنت محق يا عمي، الملابس الفاخرة لا تليق بمن يبحث عن الحقيقة وسط الزحام. لنرتدِ ما يجعلنا نبدو كأهل هذه البلاد لكي لا يشك أحد في أمرنا ونحن نسأل عن عائلتي.
اتجه ليرس بير إلى محل ملابس صغيرة وقريبة من العربة، بعد أن عاد من المحل ناول سوفيرا ملابسها الجديدة. ارتدت قميصاً أبيض ناصعاً يزدان بورود ملونة زاهية تتفتح على أكمامه وياقته وكأنها حديقة صغيرة، ومع القميص ارتدت بنطلوناً مزهراً بالكامل بنقوش بديعة من الأزهار والنباتات المتشابكة بألوان متناغمة؛ كان مظهرها يبدو حيوياً وهو منطلق يعكس أملاً جديداً وسط الرحلة.
أما العم ليرس بير فقد اختار لنفسه ملابس عملية وبسيطة تليق بسنّه وبوقاره؛ ارتدى سترة واسعة ومريحة من القماش الكتاني المتين باللون البني الداكن، تشبه لون الخشب القديم، وبها جيوب عديدة وعميقة. وتحتها ارتدى قميصاً بسيطاً باللون الرمادي الفاتح وبنطالاً فضفاضاً، وانتعل حذاءً جلدياً قوياً ومتيناً صُمم لتحمّل المشي الطويل والوقوف لساعات.
نظرتْ سوفيرا إلى نفسها في انعكاس زجاج إحدى العربات القريبة، ثم نظرت إلى عمها بملابسه الجديدة وقالت بابتسامة:
* "تبدو وسيماً وعملياً يا عمي ليرس بير بهذه الملابس!"
فجأة، وبينما كانت تنظر إلى ألوان ملابسها الزاهية وإلى الزهور، شعرت بحرارة مفاجئة في يدها. نظرتْ بذهول، فإذا بالخاتم القاتم المنقوش يشتعل بنور قوي ودافئ، نور يشبه ألوان الربيع!
لم تتوقع سوفيرا هذا، فقد ظنت أن الخاتم انطفأ تماماً. لم تخبر العم ليرس بير بالأمر، وهو أن هذا الخاتم لا يحب الأجواء المليئة بالحقد، بل يشتعل في الأماكن الزاهية التي ترتاح لها روحها. كانت ألوان ملابسها الجديدة هي المفتاح الذي أيقظ روح الخاتم من جديد.
قالت سوفيرا:
* "يا عمي، بما أننا ارتدينا لباسنا الجديد، ماذا نفعل الآن؟"
أجابها:
* "هيا بنا يا سوفيرا، لقد تعبنا.. هيا لنبحث عن مكان نجلس فيه."
قلتُ: "عمي، انظر إلى تلك الغابة الجميلة! هيا نجلس فيها."
قال العم: "نعم، إنه مكان رائع يا سوفيرا."
قالت سوفيرا:
* "هل يمكنني أن أطهو بعض البيض في المقلاة لأنني جائعة؟"
* "نعم، بالطبع."
لكنني عندما أشعلتُ الموقد أخذتُ قسطاً من النوم، وبعد نومي احترقت المقلاة والبيض! استيقظتُ وبدأتُ بالصراخ: "عمي! عمي تعال وانظر إلى النار!"
بدأتُ أبكي، وأتى عمي مسرعاً بالماء وبدأ يطفئها. تحولت المقلاة إلى رماد، وبدأتُ أبكي بكاءً شديداً وقلت:
* "أعتذر يا عمي.. أنا آسفة، لا يمكنني فعل أي شيء، أنا كسولة!"
رد عمي: "أنا سامحتكِ، لا تقولي عن نفسكِ كسولة ولا تيأسي. هيا بنا لنقطف بعض الفراولة."
بدأتُ أقطف بلهفة وأنا مبتهجة، أكلناها وكانت لذيذة جداً، وتلطخ فمي باللون الأحمر. كان عمي يضحك على شكلي، وهو شكل لم أعهده من قبل وفمي ملطخ هكذا.
قلت للعم ليرس بير: "ما بك يا عمي؟ كيف لك أن تضحك عليّ بسخرية؟"
ضحك قائلاً: "انظري إلى نفسكِ، أنتِ ملطخة بالفراولة، هههه!"
قلت: "يا عمي، لقد أخجلتني!"
قال: "هيا يا سوفيرا لننسَ هذا الأمر التافه، واغسلي فمكِ."
غسلتُ فمي وقلت: "ما هو هذا العمل الذي سنقوم به؟"
قال عمي: "ما هي موهبتكِ المفضلة؟"
قلت بكل صراحة: "أعرف صنع الإكسسوارات، والعزف على الناي."
قال العم: "لديكِ موهبتان جيدتان. الموهبة الثانية أمتلك موهبة شبيهة بها وهي العزف على (الكولة)، ويختلفان في أن الكولة تمتلك ستة ثقوب وأربعة أصوات، والناي سبعة ثقوب وتسعة أصوات. إذن نحن متقاربون! وأما عن الخرز فصنعه أمر سهل. ما رأيكِ أن نعزف معاً، ونضع الإكسسوارات في أنبوب للبيع؟ وبعدما نجمع المال، نشتري حيواناً من حيواناتكِ المفضلة."
أجبت بحماس: "بالطبع يا عمي! سأصنع 50 إكسسواراً لنبيع الكثير، وبذلك نتمكن من شراء الحيوان."
قال العم: "يا سوفيرا، أنتِ تفكرين بعقلانية."
قلت: "لكن يا عمي، كيف يمكنني العزف أمام جمهور كبير؟"
رد ليرس بير: "حسناً، سنتدرب أول شيء، وبعدها سأساعدكِ لكي تصنعي الـ 50 إكسسواراً."
كان المساءُ في إيطاليا ينسلُّ برقاً، والشمسُ تترك خلفها خيوطاً ذهبيةً تداعب أوراقَ الشجرِ الزاهية.
جلست سوفيرا على عشبٍ أخضرَ ناعٍ، وبدأت أصابعها الرقيقة تداعب حباتِ الخرزِ الملونة؛ كانت تصنعها بصبرٍ قطعةً تلو الأخرى، حتى أتمت العقدَ الأولَ الذي بدا وكأنه قوسُ قزحٍ صغيرٌ بين يديها. وبجانبها كان الحصانُ "مجلي" يهزُّ رأسه بخفةٍ، مستمتعاً برائحةِ العشبِ والهدوءِ الذي حلَّ أخيراً.
نظر العم "ليرس بير" إلى سوفيرا وابتسم، ثم رفع آلة "الكولة" إلى ثغره، وأخرج منها نغمةً دافئةً تشبه الريحَ في الصحراء.
نظرت إليه سوفيرا، ورفعت نايها الخشبي، وبدأت تعزف معه أولَ أغنيةٍ لهما، سمياها "لحن الخفاء"؛ كان الناي يغرد كعصفورٍ، والكولة تجيب بصوتٍ عميقٍ. وفي تلك اللحظة، بدأ خاتمُ والدتها يشعُّ بوميضٍ أرجوانيٍ خفيفٍ جداً ومنتظمٍ، وكأنه ينبض على إيقاعِ الموسيقى.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Story Chapters

1
Write and publish your own books and novels NOW, From Here.