قبل ساعة ونصف من موعد الرحلة 313 المسائية نحو سياتل، اجتمعت بطاقم الضيافة و الطيارين عند البوابة، تعارفنا ثم تبادلنا ذكر اجراءات السلامة.. في مهنتها لا نسافر مع نفس الطاقم، تتجدد الوجوه مع كل رحلة جوية.
"كابتن! طائرتنا الايرباص 380 تأخرت!"
"نعم جمال، برج المراقبة اعلن عن نشرية جوية خطرة، رياح متقلبة الاتجاه حول المطار.."
سيدة هي الطبيعة، لا تعنى بمواعيد المسافرين، و لا توقعات الملاحة، و لا بمداخيل شركات الطيران.. هي فقط رهن أقدار الله.
كل بلد يفرض قوانين على شاكلته، و الأمم المتحدة بمدينة نيويورك التي انا بها عاجزة امام فسيفساء الدول.. الا عالم الطيران، هيئته الدولية لا تسقط كلمتها، لا لسطوة مال او جيش..
انما هي الطبيعة تملي احكامها، تعظم رؤوس البشر فقط عند اليابسة، لكنها كلما حلّقت في سماء الله تضائل جبروتها و تقزم.. خطفة برق تقصم الطائرة، ريح شديدة تلعب بها كالريشة.. طير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن الا الله.
في سماء الله يتأدب الانسان، يتواضع الساسة، تفقد بلايين المال قيمتها، هزة ريح عنيفة تجعل فلاسفة الالحاد يذكرون الله "أوه ماي غاد".. حتى اذا حط الانسان على ارض اليابسة، تيبس قلبه من جديد و كان الانسان كفورا.
حطت الطائرة المتأخرة بالمدرج، رويدا رويدا وَجّهتها الطواقم الارضية نحو جسر البوابة 13. نزل الركاب، و استلمتها فرق النظافة و الامن. طمأنت موظفة الاستقبال انني ساحاول تقريب زمن الركوب قدر الامكان، توجهت مع الطاقم عبر الجسر نحو الطائرة و انتظرنا خروج فرق النظافة..
"هاي حبيبي، كومو استا مستر جمال" هكذا حيّاني روبيرتو مشرف عمال النظافة اللاتيني.. انطباعات العالم باجناسه عن العرب دائما ما تدهشني، كلها حب و رومانسية و فرفشة! اموال و عقود من بروباغاندا كراهية العرب اربكت العقول لكنها عجزت عن القلوب! و من سعادة رحلتي الليلة أن طاقمي من امريكا اللاتينية التي أعشقها..
ميغال المكسيكي هو رجل مطبخ درجة الاعمال الليلة، مايسترو ماهر يجرد التموين، يبعث الروح في مكعبات التخزين الباردة، فتفصح عما لذّ و طاب من سلطات، مقبلات، مكسرات، اطباق من ربوع المعمورة، خمور من كروم منتقاه، و حلويات مزخرفة الالوان و الاشكال..
ينفذ الطلبيات يدندن بل و يراقص روزابيلا التي استعجلته بكابوتشينو للمقعد 3A، خطفها بيمناه من طرف خصرها و امسك شمالها عاليا و لفّها حتى دارت قدمها كلعبة الاطفال.. "هاها ميامور، انها رقصة القبعة المكسيكية!" لهاذا اعشقهم، الدنيا تهزأ بمصائر البشر، فقط اللاتينيون يهزؤون بالدنيا..
انتهت خدمة المساء، أعددت مقصورات الطائرة بإضاءة بنفسجية خافتة ثم خفضتها تدرجيا حتى استرخى الركاب و استسلموا لنوم عميق.. تركت مقصورة درجة الاعمال و يممت نحو المقصورات الخلفية اتفقد الركاب و ادردش مع الطواقم.. بينما أنا عائد اذ بالراكب 40K يصرخ "بابا! بابا! اجبني ارجوك" أنرت مقعده و اذا بأبيه شاحب الوجه، يضغط على صدره، ثم يفقد وعيه..
فورا سحبته من مقعده و حملته رفقة ابنه الى فسحة بالمقصورة الخلفية، استنجدت الطاقم بكل جهدي "اسعافات اولية!" قطعت ازرار قميصه و خلعت سلسلته عن رقبته، نبضه مضطرب و انفاسه متحجرجة.. باشرت عدات متوالية من الضغط على صدره و النفخ في رئته.. اقبلت لاورا بالصاعق الكهربائي، ثبتته عليه، ارتعش صدره مرة، مرتين.. "لاورا ناوليني السماعة..هل من اطباء او ممرضين على متن الطائرة؟" استلمته مني طبيبة و ممرضان.. لكن السماء استلمته أخيرا وسط نحيب ابنه و زوجته..
انهرت أنا و الطاقم، اعلمت قمرة القيادة، و عدت الى مقصورة درجة الاعمال، فتحت دفاتري لأدون تقريري.. و في غمرة ذاك، اندهشت من دندنة ميغال!
"ألا يهزك الفراق يا ميغال؟ اسرة فقدت للابد عائلها.."
"حبيبي جمال، هون عليك، سألقاه في عيد الموتى، هذا المشاغب حول رحلته من سياتل الممطرة الغائمة إلى المكسيك المشمسة، هون عليك، ساقطف من اجله اعبق زهور القطيفة المكسيكية و أزهاها الوانا.."
أيام طفولتي ببلاد جنوب البحر، كانت النساء تحزن عند أول المأتم، ثم تقهقهن بعد الدفن كأنما استراح الميت من عناء الدنيا، أما بالأعراس فترقصن حين تتصدر العروس بفساتينها و حليها، ثم تدمع أعينهن حين تودع البنت أباها..
نساؤنا إما فلاسفة، و إما مكسيكيات و نحن لاندري..