مرت ثلاثة أيام. كانت الساعة السابعة حينما استيقظ طه قبل يحيى كعادته. لم يتجه مباشرة إلى المطبخ هذه المرة…
بل وقف قليلًا أمام باب الغرفة.
صمت.
ثم فتح الباب بهدوء، دون أدنى صوت. كان يحيى لا يزال نائمًا، أو هكذا بدا. لكن طه لاحظ شيئًا صغيرًا…
جفون تتحرك…أنفاس غير منتظمة…لم يكن نومًا عميقًا.
أغلق الباب بهدوء، وعاد للخارج. في المطبخ، بدأ في إعداد الإفطار. فول… بيض… وخبز…
ووضع أيضًا طبق فاكهة هذه المرة في منتصف الطاولة، بشكل واضح. متعمدا ذلك، ثم جلس ينتظر. بعد دقائق، خرج يحيى.
وجهه كان شاحبا قليلًا… عيناه منتفختان… وشعره غير مرتب كما اعتاد.
"صباح الخير"
"صباح النور"
جلس أمام الطعام. ظل يحدق فيه للحظات… ثم مد يده ببطء.
أخذ قطعة صغيرة… صغيرة جدًا… وكأنه يعتذر للطعام.
راقبه طه دون أن ينظر إليه مباشرة.
"نمت كويس؟"
سؤال عابر… نبرته عادية.
"آه… عادي"
رد سريع. قصير. مقتضب.
هز طه رأسه فقط. لكنه كان قد سجل الإجابة. مرّت دقيقة. ثم قال طه وهو يقلب السكر في كوبه:
"عمرك صحيت من النوم وحاسس إنك لسه تعبان؟"
توقف يحيى للحظة. رفع نظره له… ثم أنزله سريعًا.
"أيوه… بتحصل"
"كتير؟"
صمت.
"أحيانًا"
ابتسم طه ابتسامة خفيفة، وكأنه مجرد حوار عادي. لكنه كان يقترب خطوة. مد طه يده إلى طبق الفاكهة وأخذ واحدة.
"خد تفاحة"
"لا خلاص شبعت"
نظر له هذه المرة مباشرة.
"انت كلت إيه أصلاً؟"
توتر خفيف ظهر على ملامح يحيى.
"أنا… أكلت"
هز طه رأسه دون تعليق.
لكنه لاحظ:
دفاع غير مبرر. إجابة غير دقيقة. تجنب نظر
● ● ●
في فترة الظهيرة…كان يحيى جالسًا يذاكر، أو هكذا يبدو. القلم في يده… لكن الصفحة لم تتغير منذ عشر دقائق. دخل طه الغرفة دون أن يتحدث. وقف خلفه قليلًا.
"خلصت؟"
ارتبك يحيى.
"اه… تقريبًا"
نظر طه إلى الصفحة. نفس السطر… نفس المكان. لم يقل شيئًا.
جلس على الكرسي المقابل له.
"بتفكر في إيه لما تسرح؟"
السؤال جاء فجأة. بسيط… لكنه مباشر أكثر. تجمد يحيى للحظة.
ثم قال:
"ولا حاجة"
ابتسم طه.
"ولا حاجة؟"
هز يحيى رأسه. لكن هذه المرة… لم تكن مقنعة.
● ● ●
في المساء… كانا يشاهدان التلفاز. صمت طويل.
قال طه فجأة، دون أن ينظر إليه:
"في ناس بتبقى كويسة قدام الناس… بس جواها مش كويسة خالص"
لم يتحرك يحيى. لكن يده شدّت قليلًا على الأريكة.
"عادي يعني… كلنا كدا شوية"
رد ببرود. لكن صوته لم يكن ثابتًا. نظر له طه أخيرًا.
ثم قال بنبرة هادئة:
"وفي ناس… بتحس إنها عبء"
توقف الزمن للحظة. لم ينظر يحيى. لكن عينيه امتلأتا. لم تسقط الدموع… لكنها كانت هناك. لم يعلّق طه. لم يضغط. اكتفى بالصمت.
● ● ●
ليلًا… كان كلٌ منهما في سريره. الضوء مطفأ. لكن طه لم يكن نائمًا. كان ينظر للسقف…يربط.
فقدان شهية... نوم مضطرب.... تشتت... تفكير زائد...انسحاب... شعور بالذنب... ردود دفاعية.... تأثر عند كلمة "عبء".
أغمض عينيه ببطء. ثم فتحهما مرة أخرى.ةتنفس بعمق. وفي صمت تام…
فهم.
الحالة ليست عابرة. ليست ضغط امتحانات. وليست مجرد مزاج سيء.
بل أقرب إلى:
الاكتئاب بدرجة ملحوظة…
فتح عينيه مرة أخرى… ونظر في اتجاه سرير يحيى. ثم فكر…
بهدوء مخيف: "لو وصل للمرحلة دي… يبقى غالبًا… فكر في إنه ينهي كل ده قبل كدا."
لم يتحرك. لم يتحدث. لكنه قرر… أنه لن يتركه.
●●●
في اليوم التالي… لم يوقظ طه يحيى هذه المرة. تركه. وقد تعمد ذلك.
استيقظ يحيى متأخرًا قليلًا. خرج من الغرفة بخطوات بطيئة، وكأنه لم ينم أصلًا. وجد طه جالسًا على الأريكة، يقرأ في كتاب. رفع عينه نحوه… ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
"صباح الخير"
"صباح النور"
لم يسأله لماذا تأخر. لم يعلّق. فقط أشار للطاولة:
"في فطار هناك"
اقترب يحيى. نظر للطعام. نفس المشهد… تردد. ثم أخذ أقل القليل. كان طه يراقب… دون أن يبدو كذلك.
● ● ●
بعد الإفطار… قال طه فجأة:
"تعالى نتمشى شوية"
نظر له يحيى بتردد. لكنه وافق.
خرجا. الشمس كانت خفيفة… والهواء بارد قليلًا. سارا في شارع هادئ. بشكل عادي جدًا… قال طه:
"امبارح كنت بقرأ عن الناس اللي بتضغط على نفسها زيادة"
لم يرد يحيى. فأكمل:
"في ناس لما بتتعب… مش بتقول"
صمت. ثم:
"تفضل ساكتة لحد ما توصل لمرحلة مش قادرة تستحمل"
كان صوته هادئًا… كأنه يتحدث عن شخص آخر. سأل فجأة:
"عمرك حسيت إنك مش قادر تكمل يومك؟"
توقف يحيى للحظة. خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كافية. ثم أكمل السير.
"أحيانًا"
"وأحيانًا دي… بتبقى إمتى؟"
صمت. طويل.
"لما بكون… تعبان"
قالها بصوت منخفض. أومأ طه. لم يضغط. لكن عينيه لم تفارقاه.
● ● ●
وصلا إلى الحديقة. جلسا.
مرّ طفل يضحك… ثم سقط… ثم عاد يضحك. راقبهما الاثنان. قال طه بهدوء:
"الغريبة إن الأطفال… بيقعوا ويقوموا عادي"
ثم أضاف: "الكبار… لأ"
لم ينظر ليحيى. لكنه قال الجملة التالية ببطء:
"في ناس لما بتقع… بتفضل واقعة جواها"
شدّ يحيى يده على المقعد. لم يتكلم.
● ● ●
بعد لحظات… أخرج طه زجاجة ماء. شرب. ثم قال بنبرة عادية جدًا:
"كنت بشوف حالة زمان… شاب في سنك تقريبًا"
صمت.
"كان كويس من بره… بس جواه كان تعبان جدًا"
رفع يحيى نظره له للحظة… ثم أنزله.
"ماكنش بيتكلم"
"ماكنش بيشتكي"
"كان دايمًا يقول أنا كويس"
سكت طه. ثم قال الجملة الأهم… كأنها عابرة:
"لحد ما بدأ يفكر إنه يختفي وخلاص"
تجمد يحيى. حرفيًا.
لم يتحرك. لم يتكلم. لكن أنفاسه تغيرت. راقبه طه بدقة. مرّت ثواني ثقيلة…ثم قال يحيى بسرعة، وكأنه يهرب:
"هو… عمل إيه بعد كدا؟"
سؤال. لكن ليس فضولًا…وبل خوف. نظر له طه لأول مرة مباشرة. ثم قال بهدوء:
"اتأخر"
صمت. ثم أضاف: "بس قبل ما يتأخر خالص… حد خد باله"
لم يعلّق يحيى. لكن عينيه كانت زائغتين.
● ● ●
في طريق العودة…وكان الصمت ثقيلًا. فجأة قال طه، بنبرة عادية جدًا: "في ناس بتفكر… لو اختفت، هترتاح"
لم يرد يحيى.
"وفي ناس بتفكر… الناس حواليها هترتاح"
توقفت خطوات يحيى. لثانية.وثم أكمل. لكن طه رأى كل شيء.
● ● ●
ليلًا… عادا إلى المنزل. دخل يحيى غرفته. وأغلق الباب. أما طه…
فوقف في الصالة. ساكن. ثم جلس ببطء. وأسند رأسه للخلف. بدأ يربط.
التوتر... الإجابات القصيرة... التوقف عند الأسئلة... تغير النفس
رد الفعل عند كلمة "يختفي".... سؤاله عن النهاية... توقفه عند فكرة "الناس هترتاح".
أغمض عينيه. ثم فتحهما ببطء. وفي صمت تام… وصل للحقيقة التي كان يحاول التأكد منها:
يحيى… لم يمر فقط بفكرة عابرة.
بل…
اقترب منها.
فكر فيها بجدية : ربما… أكثر من مرة.
تنفس طه ببطء. لكن هذه المرة…ولم تكن نظراته هادئة. بل حادة. مركزة. وفكر… بشيء واحد:
"أنا لازم أتصرف… بس مش دلوقتي"
●●●
في اليوم الثالث… لم يكن يومًا عاديًا. استيقظ يحيى… لكن هذه المرة، لم يكن وحده في يومه. طه… لم يذهب إلى عمله. أو على الأقل… هذا ما بدا. خرج يحيى من الغرفة… فوجده جالسًا على الأريكة، يحمل كوب قهوته، ينظر في هاتفه. رفع رأسه… وابتسم:
"صباح الخير"
توقف يحيى لحظة…
"هو النهاردة اجازة من الشغل؟"
"أجلت شوية مواعيد… قلت أقعد معاك النهارده"
شعر يحيى بشيء غير مفهوم… مزيج بين الراحة… والتوتر.
"ليه؟"
ابتسم طه ابتسامة هادئة:
"هو لازم سبب يعني؟"
لم يرد يحيى.
● ● ●
بدأ اليوم بشكل… غريب قليلًا. طه لم يتركه وحده تقريبًا. لكن… دون أن يكون مزعجًا. كان يتصرف وكأن وجوده "صدفة مستمرة". أثناء المذاكرة… كان يحيى جالسًا على المكتب… يحاول التركيز… لكن بعد عشر دقائق… توقف. قلم في يده… ينظر في الصفحة دون أن يقرأ. من خلفه… صوت هادئ:
"وقفت ليه؟"
التفت… وجد طه يقف عند الباب.
"مفيش… بفكر"
اقترب طه ببطء… ثم نظر في الكتاب…
"فهمت اللي قبله؟"
"اه"
"طب اشرحلي"
● ● ●
بعد العصر… جلسا يتناولان الغداء. طه تعمد هذه المرة… أن يملأ له الطبق بنفسه.
"كل"
بدأ يحيى يأكل… ثلاث لقمات… أربع… ثم توقف.
"كملت؟"
"اه شبعت"
نظر له طه… نظرة ثابتة… أطول من المعتاد. ثم قال:
"جسمك محتاج أكتر من كدا"
لم يرد يحيى. خفض عينه. طه لم يجادله. لكن… لم يرفع عينه عنه.
● ● ●
في المساء… كانا يشاهدان التلفاز. فجأة… قال طه:
"هو انت مرتاح هنا؟"
سؤال بسيط…لكن توقيته… لم يكن عادي.
يحيى: "اه"
"أكتر من البيت؟"
تجمدت يد يحيى للحظة… ثم قال:
"عادي"
"بتنام كويس؟"
"اه"
"بتصحى مرتاح؟"
"..."
صمت. طه لم ينظر له هذه المرة… كان ينظر للشاشة… لكن صوته خرج هادئ جدًا:
"ولا بتصحى تعبان؟"
ابتلع يحيى ريقه… "عادي"
● ● ●
بعد دقائق… طه قام فجأة:
"تعالى نتمشى"
في الشارع…زالهواء بارد. صامتان. فجأة… توقف طه. نظر أمامه… ثم قال:
"لو حد حس إنه تقيل على الناس… يعمل ايه؟"
تجمد يحيى. القلب… دق أسرع.
"يعني ايه؟"
"يعني حاسس إنه عبء… وجوده زيادة"
صمت. ثواني طويلة. ثم قال يحيى… بصوت منخفض جدًا:
"يختفي"
طه… لم يتحرك. لكن عينيه… تغيرت.
"يختفي إزاي؟"
سؤال… هادئ جدًا. خطير جدًا. يحيى لم ينظر له.
قال: "مش عارف"
لكن نبرته… لم تكن حقيقية.
● ● ●
عادا للمنزل. يحيى دخل غرفته. وأغلق الباب. أما طه… فوقف في الصالة… وحده. ببطء… جلس. ثم مرر يده على وجهه. همس لنفسه… لأول مرة: "مش مجرد حزن…"
رفع عينه… نظرة طبيب… لا خال.
باردة… حادة… محللة.
"فقدان شهية… اضطراب نوم… انسحاب… شعور بالذنب… عدم استحقاق…"
سكت لحظة…
"وأفكار اختفاء…"
أغمض عينه… ثم فتحها ببطء.
"احنا متأخرين…"
سكت… ثم أضاف… بصوت أخفض:
"ومش هينفع أتعامل معاه كخال بس"
رفع نظره ناحية باب غرفة يحيى.
"لازم أتدخل…"
لكن ابتسم ابتسامة خفيفة… غريبة. ليست مطمئنة بالكامل.
"بس بطريقتي…"