SalmaHamdy1

شارك على مواقع التواصل

في صباح اليوم التالي… استيقظ يحيى على صوت خفيف. صوت حركة… مش مزعج… لكن كفاية يوقظه. فتح عينيه ببطء… نظر حوله… طه كان مستيقظًا قبله. يجلس على المكتب… يكتب في دفتر.
"صحيت؟"
"اه…"
جلس يحيى ببطء… جسده ثقيل… كأن النوم لم يمر عليه. طه أغلق الدفتر بهدوء… ثم التفت له وقال: "عندي فكرة النهارده"
نظر له يحيى باستغراب خفيف: "ايه؟"
ابتسم طه ابتسامة بسيطة: "هنغير الروتين"
● ● ●
بعد نصف ساعة… كانا جالسين على طاولة الطعام. لكن… اليوم مختلف. الطاولة كانت مرتبة بشكل زائد عن المعتاد. أطباق… فاكهة… عصير… خبز… جبن…
كأنها مائدة "مقصودة".
جلس يحيى… نظر للطعام… ثم بدأ يأكل… ببطء. طه لم يأكل. فقط… يراقب.
"كل عادي خالص… متبصليش"
قالها بنبرة هادئة… وكأنه قرأ أفكاره.
ارتبك يحيى قليلًا… ثم أكمل. ثلاث لقمات… أربع… ثم… توقف.
"كملت؟"
"اه…"
"لا… لسه"
قالها طه… لأول مرة بنبرة فيها حزم خفيف. رفع يحيى عينه له. طه ابتسم… لكن عينه لم تبتسم.
"خد لقمتين كمان بس"
تردد يحيى… لكن… أطاع. طه سجّل الملاحظة… في عقله.
● ● ●
بعد الإفطار… قال طه فجأة:
"البس… هننزل"
"هنروح فين؟"
"هتعرف"
● ● ●
بعد قليل… كانا في مكان هادئ… مش حديقة… ولا كافيه… مكان مفتوح… فيه مقاعد قليلة… وشبه فاضي.
جلس طه… وأشار ليحيى يجلس أمامه.
"هنلعب لعبة"
قطب يحيى حاجبه: "لعبة؟"
"اه… بسيطة"
سكت لحظة… ثم قال: "هقول جملة… وانت تقول أول حاجة تيجي في دماغك… من غير تفكير"
تردد يحيى…
"طيب"
طه بدأ… بصوت هادئ جدًا:
"أنا…"
سكت. ينتظر. يحيى بلع ريقه…
ثم قال: "…مش مهم"
لم يعلّق طه. لكن عينه ثبتت عليه أكثر.
"الحياة…"
"تقيلة"
"الناس…"
"مزعجة"
"البيت…"
صمت. ثواني.
"...ضغط"
"أنا لو اختفيت…"
تجمد يحيى. القلب… بدأ يدق أسرع.
"..."
لم يرد. طه اقترب قليلًا… صوته أصبح أهدأ…
"قول أول حاجة تيجي في دماغك"
بصوت منخفض جدًا: "...محدش هياخد باله"
سكت المكان. لم يتكلم طه هذه المرة. فقط… نظر له. نظرة طويلة… عميقة.
● ● ●
بعد دقائق… كانا يسيران في طريق العودة. ولا أحد منهما يتكلم. يحيى كان يشعر بشيء غريب…كأنه… اتكشف.
أما طه… فكان هادئًا بشكل مريب.
عند باب المنزل… توقف فجأة.
"يحيى"
نظر له.
"أنا مش هضغط عليك تتكلم"
سكت لحظة…
"بس أنا شايفك"
اتسعت عينا يحيى قليلًا. أكمل طه:
"وشايف إنك تعبان"
صمت. ثم… فجأة غيّر نبرته تمامًا:
"بس متقلقش… هنظبط الدنيا"
ابتسامة. خفيفة. لكن… فيها شيء… غير مريح.
● ● ●
دخل يحيى غرفته… وأغلق الباب. جلس على السرير… قلبه يدق.
أول مرة… يحس إن حد "فهمه"… وأول مرة…
يحس بالخوف من ده.
● ● ●
في الخارج… طه وقف وحده. أخرج دفتره ببطء…
وكتب:
"Self-worth = صفر تقريبًا"
"Passive suicidal ideation واضح"
"استجابة تلقائية صادقة"
سكت لحظة… ثم كتب:
"جاهز للمرحلة الجاية"
أغلق الدفتر. وابتسم. ابتسامة… أقرب للتخطيط… منها للاطمئنان.
●●●
في مساء اليوم نفسه…
جلس يحيى على الكرسي، ممسكًا بدفتره، يحاول أن يراجع بعض الدروس، لكن الأفكار كانت تتسلل إليه بلا رحمة. طارده شعور بالفراغ… بالعبء… بغياب الأمان.
طرق الباب. طه دخل… لكنه لم يبتسم كما اعتاد، بل كانت عيناه حادة، مركزة… ثابته على يحيى.
"يحيى… تعالى معايا شوية"
ارتبك يحيى، لكنه نهض، يتبع خاله إلى الشرفة الصغيرة. الهواء بارد… ضوء القمر يلمع على البحر، لكنه لم يشعر بأي جمال… كل شيء بدا باهتًا. طه أغلق باب الشرفة خلفهما… ثم اقترب من يحيى بشكل مفاجئ…
"تعالى نقيم حاجة…"
نظر يحيى له بقلق: "ايه تقييم؟"
طه وضع يده على كتف يحيى… ضغطه بلطف، لكنه ثابت… صارم: "عاوز أشوف لحد فين انت صامد… وإزاي دماغك بتتعامل مع الحزن… والفراغ… والأفكار اللي ممكن تخليك تحس إنك مش عايز تكمل"
شعر يحيى بشد في صدره… كأن الهواء صار أثقل…
"ايه…؟" قالها بصوت منخفض.
"متقلقش… مش هنسألك على طول، بس هنعمل تجربة صغيرة"
طه أخرج دفتر صغير… كتب على الصفحة الأخيرة: "اكتب كل حاجة جاية في دماغك دلوقتي… مش مهم لو حاجة سوداوية… كل اللي جواك"
نظر إلى يحيى: "ابدأ…"
ابتلعت الكلمات الحنجرة، لكنه بدأ يكتب… ببطء… حروف متقطعة… ثم… بدأ الدموع تنساب من عينيه دون إرادة…
طه وقف خلفه، صامت، يراقبه.
"مش غلط تحس بالحزن…" قالها أخيرًا بصوت هادئ… لكنه كان صوتًا موجهًا، يضغط على الحقيقة:
"المشكلة لما الواحد يحس إنه لو اختفى… محدش هيلاحظ…"
تجمد يحيى.

"تمام… كمل… اكتب كل حاجة جاية على طول"
بدأ يحيى يكتب أسراره… شعوره بالذنب… الأفكار السوداوية… حتى فكرة الانتحار التي حاول دفنها. طه لم يتحدث… لم يحكم… لكنه كان يراقب كل كلمة… كل حركة… وبعد دقائق، أخذ الدفتر ببطء… نظر إليه… ثم قال بنبرة صادمة:
"تمام… ده اللي حصل… والحقيقة اللي فيه… أنا شايف كل حاجة… وإنت محتاج مساعدة… مش عشان حد يحكم عليك… لكن عشان متدهورش أكتر"
قفز قلب يحيى… شعر بالخوف… لكنه في نفس الوقت شعور غريب… كأن أحدهم فهمه…
"ممكن… ممكن تساعدني؟" قالها بصوت مهتز.
طه ابتسم… لكن ابتسامته لم تكن دافئة… كانت ابتسامة حذر… وتحليل: "أيوه… وهنتعامل مع ده… خطوة خطوة… بس أول حاجة… لازم نواجهه صراحة… نعرف حقيقته… ونشوف إزاي نقدر نتصرف قبل ما يكبر أكتر"
●●●
بعد مرور ربع ساعة من كتابة يحيى لكل ما يجتاح عقله، جلس طه على الكرسي المقابل له، صامت، يراقبه بعينين لا تفوت أي حركة. ثم قال فجأة بصوت هادئ لكنه حاد:
"يحيى… خلينا نلعب لعبة صراحة… بس لازم تجاوب بكل صراحة، حتى لو حاجة صعبة أو مخيفة."
ارتجف يحيى قليلاً، لكنه هز رأسه موافقًا، يشعر بالفضول والخوف معًا.
"تمام… أول سؤال… لو حسيت يوم إنك مش قادر تكمل… إنك حاسس إن حياتك ما ليهاش معنى… هتعمل إيه؟"
تردد يحيى… كاد أن يكذب، كاد أن يقول "مش هحس كده"، لكن الكلمات تجمدت في حلقه… لم يستطع الرد. طه اقترب أكثر، ولكن بصمت… فقط ينظر له، لا يحكم، لا يضغط، فقط يراقب.
"ممكن تحكيلي أي حاجة جاية في دماغك دلوقتي… حتى لو حاجة سوداوية… مش هاعملك حاجة… بس عايز أفهم"
بدأ يحيى يتلعثم… ثم همس: "أحيانًا… بحس إني… أتمنى أختفي… أو يمكن… ما أكونش موجود…"
قفز قلبه من شدة الخوف، لكنه لم يكد يكمل. طه جلس صامتًا للحظات… ثم قال بنبرة ثابتة، لا عاطفة فيها:
"تمام… ده صريح جدًا… وده اللي كنت محتاج أشوفه. مش عيب تحس بكده… العيب لما تحاول تخفيه عن نفسك أو عن حد يفهمك."
ثم فجأة، أخذ طه دفتره، وأمسك قلمًا، وكتب على صفحة جديدة: "إيه اللي ممكن يخليك تغير رأيك… إيه اللي ممكن يخليك تحس إنك محتاج تستمر؟…"
نظر إلى يحيى: "عاوزك تكتب… كل حاجة تخطر في بالك… أي سبب… أي أمل… أي فكرة حتى صغيرة"
بدأ يحيى يكتب، لكن الدموع كانت تتساقط بلا توقف. كل كلمة كانت تعبر عن صراعه الداخلي، عن شعوره بالذنب، بالعزلة، بالفراغ، بالخذلان… كل شيء دفنه داخله لسنوات. طه لم يتحدث… لكنه أخذ يدون ملاحظاته في ذهنه… كل كلمة، كل توقف، كل تردد… كان يحلل عمق الاكتئاب، مدى خطورة الأفكار الانتحارية، وكيفية تدخل الدعم النفسي لاحقًا. وبعد دقائق طويلة، رفع طه رأسه وقال بهدوء:
"تمام… دلوقتي أنا فاهم… واضح إن فيه حاجة كبيرة محتاجة تتعامل معاها… مش لوحدك، لكن محتاجة حد يعرف، وفاهم، ويقدر يساعدك تمشي قدام خطوة خطوة…"
نظر يحيى إليه، لم يقل شيئًا، لكن شعوره كان خليطًا من الخوف، من الانكشاف، ومن غريب الأمان، لأن أحدهم فهمه دون أن يحكم عليه… طه نهض، وضع يده على كتف يحيى مجددًا، لكن هذه المرة كان ضغطه أقل حدة… وقال بهدوء:
"الخطوة الأولى دلوقتي… الاعتراف بالحقيقة… مش عيب ولا ضعف… بل بداية للسيطرة على اللي جواك"
يحيى جلس صامتًا… لكنه شعر لأول مرة أن هناك أحدًا أمامه قادر على فهمه… شعور مخيف لكنه مريح بنفس الوقت…
●●●
في نفس الليلة… كان يحيى جالسًا على طرف السرير… عيناه ما زالتا محمرتين… والدفتر بجانبه مفتوح… كأنه فضحه. دخل طه بهدوء… لم يتكلم فورًا. وضع كوب ماء على المكتب… ثم جلس أمامه.
"مش هنتكلم في اللي حصل"
رفع يحيى عينه له… بدهشة خفيفة.
"مش دلوقتي على الأقل"
سكت لحظة… ثم أكمل:
"بس هنبدأ بحاجة صغيرة"
أخرج طه ورقة بيضاء… وقلم… ووضعهم أمام يحيى.
"اكتبلي 3 حاجات بس"
"ايه؟"
"3 حاجات عملتهم النهارده"
قطب يحيى حاجبه: "بس؟"
"اه… بس"
"أي حاجة؟"
"أي حاجة… حتى لو صغيرة… جدًا"
نظر يحيى للورقة… صمت.
"معملتش حاجة"
طه هز رأسه بهدوء: "لا… عملت"
صمت يحيى… يفكر… ثم قال ببطء:
"ذاكرت شوية"
"حلو… دي أول واحدة… اكتبها"
كتب. يده كانت بطيئة… مترددة.
"كمان؟"
"...صحيت من النوم"
ابتسم طه ابتسامة خفيفة: "ممتاز… دي مهمة جدًا"
نظر له يحيى باستغراب… كأنه لأول مرة حد يقول له إن "القيام من السرير" إنجاز. كتبها.
"واحدة كمان"
صمت طويل… ثم همس: "...اتكلمت معاك"
طه سكت لحظة… ثم قال بهدوء:
"دي أهم واحدة فيهم كلهم"
● ● ●
بعدها… طه أخذ الورقة… نظر لها… ثم أعادها له.
"الورقة دي… هتفضل معاك"
"ليه؟"
"عشان دماغك بيكذب عليك"
اتسعت عينا يحيى. طه أكمل:
"بيقولك إنك ما بتعملش حاجة… وإنك فاشل… وإنك عبء"
سكت لحظة… "بس الحقيقة… غير كدا"
أشار للورقة: "وده الدليل"
● ● ●
ثم… فجأة…قال طه:
"بكرة هنعمل نفس الحاجة"
"كل يوم… 3 حاجات"
"بس كدا؟"
"لا… في حاجة تانية"
وقف طه… ثم نظر له نظرة مباشرة:
"عاوزك تاكل وجبتين كاملين بكرة"
توتر يحيى فورًا: "مش هعرف"
"هتعرف"
قالها طه بهدوء… لكن بحزم.
"مش عشان الأكل…"
سكت لحظة…
"عشان تثبت إنك لسه قادر تتحكم في نفسك… مش العكس"
● ● ●
اقترب منه… ووضع يده على كتفه.
"احنا مش بنحاول نخليك مبسوط دلوقتي"
صمت…
"احنا بنحاول نخليك… ثابت"
● ● ●
خرج طه من الغرفة… وأغلق الباب بهدوء. يحيى ظل جالسًا… ينظر للورقة.
"صحيت من النوم…"
"ذاكرت…"
"اتكلمت معاه…"
لأول مرة… يحس إن اليوم… مكنش فاضي بالكامل. مسح دمعة نزلت منه… لكن هذه المرة… لم تكن بنفس الثقل.
● ● ●
في الخارج… طه وقف في الصالة… أخرج دفتره…
وكتب:
"استجاب للتكليف"
"عنده مقاومة… لكن قابل للتوجيه"
"لسه في أمل"
ثم توقف… وأكمل:
"المرحلة الجاية: ربطه بسبب يعيش عشانه"
رفع عينه… باتجاه باب الغرفة.
"لازم يتعلق بحاجة… أو حد"
سكت… ثم ابتسم ابتسامة خفيفة… غامضة.
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.