يمر الوقت وتمر الايام. وطه لا يزال مستمر على خطة العلاج البدائية التي حددها. قرر ألا يخبر والدة يحيى بشيء إلا بعدما يرى مدى استجابة يحيى للعلاج ثم سيبدأ بعدها بادخال الامر لها بحذر وبهدوء وبحكمة فهو لا يريد ان يفزعها ولا كذلك يحيى، فأي خطأ قد يكلف الكثير..
أما يحيى، فقد بدأت حالته المزاجية تتحسن قليلا. اصبح يتناول خمس لقيمات على الفطور.... بالاضافة انه عاد تدريجيا للدراسة فالاختبارات على الابواب.
هذا اليوم. استيقظ يحيى مبكرا، تتملكه السعادة والنشاط لمعرفته انه سيقابل فيروز.
ذهب الى تمرين السباحة، ثم اتجه نحو الحديقة التي تكون شبه خالية في اغلب الاوقات. تلك الحديقة التي اتفقا على ان يتقابلا فيها. مع كل خطوة يقترب فيها من الحديقة، تزداد ضربات قلبه.
وجدها هناك. كانت تجلس.. معها كتبها.. وكانت تنتظره..
التقت أعينهما فابتسمت ابتسامة خفيفة. اقترب يحيى وجلس. ساد صمتا لطيفا.
"عامل ايه؟"
"الحمدلله"
ساد الصمت للحظات ثم نظرت له ثم قالت بتوتر : "كان بقالك كتير مختفي"
"تعبت شويه بس دلوقتي احسن"
نظر لها ثم ابتسم.
أومأت هي بخجل ثم قالت بينما كانت تصرف نظرها لتفتح كتابها : "طيب، هنفضل نبص كدا على بعض كتير ولا ايه؟ يلا عشان الامتحانات بعد اسبوعين"
اقترب يحيى وخفض صوته : "نذاكر بعدها نبص"
لم تجب فيروز. ابتسمت..
درسا بعدها قرابة ساعتان ونصف. كانت عينا يحيى تأخذانه نحو فيروز بين الحين والاخر. يلاحظ تركيزها، حركة اصابعها. ولا يدري لماذا يبتسم هكذا!.
"فيروز شكرا انك هنا"
قالها دون ان ينظر لها.
"انا دايما هكون هنا" نظر اليها، ثم اقترب للحظات. توقف بعد ان ترك بينهما مسافة قصيرة. ثم قال :
"بحس بامان وراحة بوجودك"
ابتسمت فيروز ولم تجب..
●●●
بعدها غادر الاثنان كل منهما الاخر. سار يحيى في طريقه عائدا للمنزل. بيده وردة حمراء من النوع الجوري. اعطته له فيروز كهدية. لا يدري لماذا لا يزال يتذكر تفاصيلها؟.
تركيزها بالدراسة... ابتسامتها.. نظرتها...
تنهد واضعا الوردة مجددا على أنفه ليشم رحيقها..
نظر الى السماء للحظات.. ثم ابتسم. يشعر بامتنان لهذه اللحظات السعيدة.
اكمل طريقة، متدبرا افكاره. في حالة من الهدوء الداخلي. كان يمسك كتابه بيده. كان يسير في شارع فارغ بطريقة غريبة. شعر يحيى بشيء ما. لكنه لم يستطع تفسييره. رغم انه وحده إلا انه كان يشعر بأن هناك من يتبعه. ظل محاولا تجاهل ذاك الشعور مكملا طريقه لكن لا فائدة. في لحظة سريعة التفت حوله برعب. يتأكد ان كان هناك احد رغم انه يعلم لا وجود لأحد!.
اكمل سيره. يده شدت على الكتاب. انفاسه اصبحت سطحية. فجأة شعر بخطوات من خلفه.. ثم ذراع احدهم تلتف حول خصره. وباليد الاخرى وضع شيء على فمه وانفه....
ما ان استنشقها يحيى حتى بدأ يشعر بالضباب في عقله. ضعفت رؤيته. وكذلك ركبتاه. لا يدري ماذا حدث له. لكن دقات قلبه تسارعت للحظات قبل ان تبدأ تهدأ وتسترخي بعدها فجأة!.
ثم أغمض عينيه...
سقطت بعدها الوردة من يده. كذلك، كتابه.. حقيبته..
كدليل لا شك انه سيساعد رجال الشرطة في البحث عنه. سقطت اغراضه في صمت. لم يحدث حينها شيء. بل استمر الوقت. استمر كل شيء في ان يمر على طبيعته ، لكن الغير طبيعي ان يحيى اختفى!.
●●●
في مكان اخر.
كان منزل داخل إحدى البنايات القديمة والمهجورة. رائحة صناديق الكرتون هو اكثر شيء ينتشر هنا. يحيى شبه فاقد للوعي. امامه يقف رجل ثلاثيني، ذا شعر اسود وعينان سوداوتان. يمتلك غمازاتان وله انف معقوف قليلا. ابتسامته بيضاء ناصعة لكنها مرعبة بذات الوقت. وكأنهة لا تشبه ابتسامة بشري، انما ابتسامة شيطان. اخرج حقيبة كان قد خبأها تحت السرير الخشبي القديم. فتح قفل رقمها فظهرت عدة انواع من السكاكين. باصابعه يلمس شفرة كل سكينة ثم يبتسم. اخرج واحدة. تأملها باعجاب. ثم بعدها اتجه نحو مكان ضحيته.. امسك بهاتفه الايفون وفتح مكالمة فيديو كول.
بحماس طفولي وهو ينظر الى الهدف : "ايوه يا زعيم، الخطة ماشية في الحلاوة وجبت الهدف"
جعل الكاميرا خلفية.
"الله يخربييتك..." ثم أردف : "ملقتش واحد غير دا؟"
انعقد حاجبيه في استغراب، فلم يحدثه رئيسه بهذا الشكل من قبل، لكنه لم يتأثر فهو لا يريد ان يزعج مزاجه.
"ليه بس يا زعيم ما نفس المواصفات، ايه الغلط؟"
"الغلط انه ابن اختي يا بجم"
كشر المتصل بوجهه ومط شفتيه لكنه لم يبدي أي خوف او شفقة.
"وايه يعني؟ معناه دا ايه؟"
"اسمع يا متخلف. مترفعش قدامه اي حاجة، كمان احرص انه ما يعرفش مين انت ولا يكشفنا. حاليا انت فين؟"
تأفف وقال : "انا في (........)"
"تمشي حالا ومش عاوز اشوف وشك. حسابك معايا يا نبيل"
تدفقت الدماء في عروقه بغضب من ضياع وترك المهمة هكذا.
"بالبساطة دي؟"
"اه، تجيب حد تاني، بس وعهدالله لو من الفئة اللي بتختارهم عينك ما هتشوف الا النور"
اغلق بعدها المكالمة دون ان ينتظر شيء من نبيل. تأفف نبيل ثم رمى هاتفه بقوة على الارض في حالة كاملة من الغيظ. رمق هدفه الذي كاد ان تكون ضحيته. ابتعد بخطوات وهمس :
"يعني جيت على نفسي واخترت واحد مواصفات مش باخدها عشان حضرة الميسيو وفي النهاية يتعامل كدا؟"