Qaed

شارك على مواقع التواصل

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا عندما اخترق صوت الهاتف صمت مكتب المفتش آدم.
رفع السماعة وهو يحدق في الملفات المتراكمة أمامه.
قال الصوت المتوتر على الطرف الآخر:
"سيدي... لدينا جريمة قتل في الميناء القديم."
أغلق آدم الملف الذي كان يراجعه ونهض فورًا.
بعد عشرين دقيقة، كانت أضواء سيارات الشرطة تنعكس على مياه البحر الداكنة.
وقف رجال الأمن خلف الشريط الأصفر بينما تجمع عدد قليل من العمال الذين بدت على وجوههم علامات الخوف.
اقترب آدم من الجثة الممددة على الأرض الإسمنتية.
كان القتيل رجلاً في منتصف الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة رغم المكان المتواضع الذي عُثر عليه فيه.
انحنى الطبيب الشرعي بجانبه وقال:
"لا توجد إصابات كثيرة. طلقة واحدة فقط."
هز آدم رأسه بصمت.
ثم لفت انتباهه شيء غريب.
ورقة سوداء مطوية وُضعت بعناية داخل جيب الضحية الخارجي.
ارتدى قفازيه وسحب الورقة بحذر.
فتحها.
لم يكن بداخلها سوى جملة واحدة:
"البداية فقط."
ساد الصمت للحظة.
سأل أحد الضباط:
"هل تعتقد أنها رسالة من القاتل؟"
لم يجب آدم مباشرة.
كانت خبرته الطويلة تخبره أن الرسائل المقصودة عباسا ما تكون بسيطة كما تبدو.
رفع رأسه وسأل:
"من هو الضحية؟"
أجاب الضابط:
"اسمه فيصل الرشيدي. رجل أعمال معروف."
تجمدت ملامح آدم قليلًا.
كان الاسم مألوفًا.
ليس بسبب ثروة الرجل، بل بسبب تقارير أمنية قديمة ظهرت فيها إشارات غير واضحة حول اتصالات مشبوهة لم يتم إثباتها أبدًا.
أغلق آدم الورقة ووضعها في كيس الأدلة.
ثم بدأ يتفحص المكان.
كانت الأرض شبه نظيفة.
لا آثار واضحة للعراك.
لا شهود.
ولا كاميرات قريبة.
وكأن القاتل اختار المكان بعناية.
وبينما كان الضباط يجمعون الأدلة، لاحظ آدم أثر حذاء قرب أحد المستودعات المهجورة.
لم يكن الأثر واضحًا بالكامل، لكنه بدا حديثًا.
اقترب أكثر.
وعند الجدار المجاور لمح شيئًا آخر.
رمزًا صغيرًا مرسومًا بالطلاء الأسود.
مجرد دائرة يتوسطها خطان عموديان.
رمز بسيط.
لكن نظرات آدم تغيرت فور رؤيته.
لقد شاهد هذا الرمز من قبل.
منذ سنوات.
في ملف أمني أُغلق دون نتائج.
ملف ارتبط بشبكة سرية متطرفة لم تتمكن السلطات من معرفة هيكلها الحقيقي.
شعر آدم بأن القضية أكبر من جريمة قتل عادية.
أكبر بكثير.
في صباح اليوم التالي، اجتمع فريق التحقيق داخل غرفة العمليات.
عرضت صور الجريمة على الشاشة الكبيرة.
قالت المحللة الجنائية مريم:
"لا بصمات مفيدة. القاتل كان حذرًا."
وأضاف ضابط الاتصالات:
"هاتف الضحية اختفى."
سأل آدم:
"وعائلته؟"
أجاب الضابط:
"زوجته تقول إنه خرج مساءً بعد تلقيه اتصالًا مجهولًا."
وقف آدم أمام الشاشة.
ثم أخرج صورة الرمز الذي وُجد قرب المستودع.
ساد الصمت.
قال أحد الضباط:
"ما هذا؟"
تردد آدم لثوانٍ قبل أن يجيب:
"شيء كنت أتمنى ألا أراه مجددًا."
التفت الجميع نحوه.
لكنه لم يكمل الشرح.
لأنه لم يكن يملك معلومات كافية بعد.
وإذا كانت شكوكه صحيحة، فإنهم قد يكونون أمام خصم شديد الخطورة.
في تلك الليلة، عاد آدم إلى مكتبه.
فتح أرشيفًا إلكترونيًا قديمًا.
وبدأ يبحث بين الملفات المنسية.
مرت دقائق طويلة.
ثم ظهرت أمامه صورة قديمة.
الصورة نفسها.
الرمز نفسه.
ومرفق بها اسم واحد فقط:
"أبو جهاد."
رئيس جماعة متطرفة تُعرف باسم "الجهاد الإسلامي"، اختفى منذ سنوات دون أثر.
تسارعت نبضات قلب آدم.
هل عاد الرجل مجددًا؟
أم أن شخصًا ما يحاول تقليد أساليبه؟
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر، رن هاتفه.
رقم مجهول.
أجاب بحذر:
"آدم يتحدث."
جاءه صوت منخفض وهادئ:
"ابتعد عن القضية... وإلا ستكون الضحية التالية."
ثم انقطع الاتصال.
ظل آدم ممسكًا بالهاتف لعدة ثوانٍ.
وعيناه معلقتان بصورة الرجل على الشاشة.
كان يدرك أن القضية بدأت الآن فقط.
لكن ما لم يكن يعرفه هو أن تلك المكالمة كانت أول خطوة في لعبة أخطر بكثير مما تخيل.
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

فصول العمل

الفصل الأول: الرسالة السوداء
اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.