ظل المفتش آدم يحدق في الشاشة.
الصورة المكبرة ما زالت أمامه، والوجه المنعكس في الزجاج كان واضحًا بما يكفي.
شخص من فريق التحقيق..شخص شارك في كل خطوة منذ بداية القضية..شخص كان حاضرًا في الاجتماعات والعمليات الميدانية..شخص يعرف جميع أسرار التحقيق.
لكن آدم لم يتحدث فورًا..أغلق الشاشة ببطء، ثم نظر إلى مريم.
قال بصوت منخفض:
"لا تخبري أحدًا."
فهمت قصده فورًا..إذا كان الخائن فعلًا داخل الفريق، فإن أي حركة متسرعة قد تدفعه للهرب.
أو لتدمير ما تبقى من الأدلة.
في صباح اليوم التالي، تصرف آدم وكأن شيئًا لم يحدث.
عقد الاجتماع المعتاد. راجع التقارير، وزع المهام، وراقب الجميع بهدوء. كان يبحث عن خطأ.
عن نظرة، عن تصرف غير طبيعي. لكن الخائن بدا هادئًا كالجميع، وهذا ما جعله أكثر خطورة.
في الوقت نفسه، كانت مريم تواصل تحليل الملفات القديمة الخاصة بمشروع الوثبة، وبعد ساعات
من العمل عثرت على وثيقة لم تُراجع سابقًا.
كانت عبارة عن سجل حضور لاجتماع سري عُقد قبل سبع سنوات، لكن المثير للاهتمام لم يكن أسماء الحاضرين.
بل اسم الشخص الذي نظم الاجتماع..توقفت مريم عند الاسم، ثم اتصلت بآدم فورًا.
"وجدت شيئًا."
وصل آدم إلى المختبر خلال دقائق، فناولته الوثيقة.
قرأ الاسم، ثم شعر أن قطعة جديدة من اللغز استقرت في مكانها. كان الاسم يعود إلى رجل الأعمال
فيصل الرشيدي، الضحية الأولى.
قالت مريم:
"ربما لم يكن مجرد شاهد."
هز آدم رأسه.
"صحيح."
ثم أضاف:
"لكنه قُتل أيضًا."
وهنا ظهرت المفارقة..إذا كان فيصل جزءًا من المشروع ومنظمًا لبعض اجتماعاته، فلماذا أصبح أول ضحية؟
استمر البحث في ماضيه، إلى أن ظهرت معلومة مهمة..قبل مقتله بشهرين، أجرى فيصل سلسلة تحويلات
مالية سرية. لكن الأموال لم تذهب إلى حسابات شخصية، بل إلى شركة صغيرة مجهولة. شركة أُنشئت قبل
أشهر فقط، ثم أُغلقت بعد الجريمة مباشرة.
بدأ الفريق تتبع سجلات الشركة، واكتشفوا عنوانًا قديمًا لمكتبها.
كان المكتب فارغًا الآن. لكن أثناء التفتيش عثروا على خزنة مخفية داخل الجدار.
استغرق فتحها ساعات، وعندما فُتحت أخيرًا، لم يجدوا أموالًا. بل مجموعة من المستندات.
وأقراص تخزين إلكترونية، وصورة واحدة..صورة حديثة نسبيًا، ظهر فيها أبو جهاد لأول مرة بوضوح.
لكن المفاجأة لم تكن فيه، بل في الشخص الجالس إلى جانبه..الرجل نفسه الذي ظهر قبل أيام في الصورة
القديمة بوصفه "المشرف الحقيقي".
ساد الصمت.
الآن أصبح لديهم رابط مباشر بين الرجلين..أبو جهاد لم يكن يعمل وحده، بل كان يتعاون مع ذلك الرجل
الغامض منذ سنوات.
قال آدم:
"اقتربنا."
لكن في داخله كان يعرف أنهم ما زالوا يجهلون الاسم الحقيقي للعقل المدبر.
في تلك الليلة، حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
وصلت رسالة إلكترونية مشفرة إلى حاسوب مريم..احتوت على ملف واحد فقط..ملف فيديو.
تم تشغيله فورًا، فظهر رجل يجلس في غرفة مظلمة، كان وجهه متعب، وعيناه مليئتان بالخوف.
تجمد آدم عندما تعرف عليه، كان سمير الحاتم..حيًا.
قال سمير بصوت مرتجف:
"إذا وصل هذا التسجيل إليكم، فأنا على الأرجح لم أعد حرًا."
تابع الجميع في صمت، وأضاف:
"أبو جهاد ينفذ الأوامر فقط."
كانت هذه ثالث مرة يسمعون فيها الجملة نفسها بصيغة مختلفة.
تابع سمير:
"الرجل الحقيقي يختبئ خلف الجميع."
ثم تنفس بعمق، وقال:
"الخائن داخل فريق التحقيق يعرف هويته."
شعر آدم بأن الغرفة أصبحت أكثر برودة، لكن التسجيل لم ينتهِ بعد.
أخرج سمير ورقة صغيرة أمام الكاميرا، كانت تحتوي على اسم..اسم الشخص الذي يعرف الحقيقة كاملة.
لكن قبل أن يتمكن من قراءته...انقطع التسجيل فجأة.
ضرب أحد الضباط الطاولة بغضب.
"لا يمكن أن يكون هذا كل شيء!"
لكن مريم كانت تراجع الملف بسرعة.
ثم قالت:
"انتظروا."
ظهر إطار واحد إضافي في نهاية الفيديو..إطار قصير جدًا، لا يتجاوز جزءًا من الثانية.
لكن الصورة كانت واضحة. كانت الورقة ما تزال ظاهرة، وجزء من الاسم يمكن قراءته.
ثلاثة أحرف فقط، لكنها كانت كافية لإشعال عاصفة من الشكوك.
في تلك الليلة، لم يغادر آدم مكتبه.
بدأ بمقارنة الأحرف مع جميع الأسماء الموجودة في ملفات القضية..الخائن، أفراد المشروع.
المشتبه بهم، المسؤولون..كلهم أصبحوا موضع شك.
ثم فجأة دخلت مريم الغرفة وهي تلهث.
قالت:
"آدم... لدينا مشكلة كبيرة."
نهض فورًا.
"ماذا حدث؟"
ناولته تقريرًا عاجلًا..قرأ السطر الأول، ثم شعر بأن قلبه توقف للحظة.
الشخص الذي ظهر اسمه الأقرب لمطابقة الأحرف الموجودة في الفيديو...اختفى قبل ساعة واحدة فقط.
واختفى معه ملف كامل من أدلة القضية، وفي مكانه تُركت ورقة سوداء صغيرة.
كُتب عليها:
"المرحلة الأخيرة بدأت."