ظل المفتش آدم يحدق في الورقة السوداء الموضوعة فوق مكتبه.
"المرحلة الأخيرة بدأت."
كانت الجملة قصيرة، لكنها حملت معنى ثقيلًا.
على مدار أسابيع، كانوا يطاردون ظلالًا وأسرارًا قديمة، أما الآن، فقد أصبح واضحًا أن خصومهم يستعدون
لخطوتهم الأخيرة، والأخطر من ذلك أنهم يعرفون أن التحقيق اقترب من الحقيقة.
في صباح اليوم التالي، تحولت غرفة العمليات إلى خلية نحل.
الجميع يعمل بلا توقف..الجميع يدرك أن الوقت ينفد.
وقفت مريم أمام الشاشة الرئيسية وقالت:
"راجعنا جميع البيانات المتعلقة بالشخص الذي اختفى أمس."
رفع آدم نظره.
"وماذا وجدتم؟"
أجابت:
"قبل اختفائه بساعات أجرى اتصالًا واحدًا فقط."
"إلى من؟"
ظهرت خريطة على الشاشة.
ثم أجابت:
"إلى رقم موجود في المنطقة الجبلية الشمالية."
تبادل أعضاء الفريق النظرات..كانت المنطقة نفسها التي ظهر فيها أحد مخابئ الشبكة سابقًا.
بعد ساعات، انطلق آدم مع قوة خاصة نحو الموقع.
الطريق كان طويلًا ومتعرجًا، وكلما صعدوا نحو الجبال أصبح الاتصال أضعف.
حتى وصلوا إلى مجمع قديم مهجور بين الصخور. بدا المكان خاليًا، لكن خبرة آدم أخبرته بعكس ذلك.
أشار للفريق بالانتشار، ثم بدأوا التقدم بحذر.
داخل أحد المباني وجدوا آثار وجود حديث. أكواب قهوة، معدات اتصال، أجهزة حاسوب محمولة.
لكن المكان أُخلي على عجل.
قال أحد الضباط:
"لقد هربوا."
أجاب آدم:
"أو أنهم يريدوننا أن نعتقد ذلك."
وبينما كان يتفقد إحدى الغرف، لمح بابًا معدنيًا خلف خزانة قديمة..فتحوه،وقادهم إلى غرفة سرية صغيرة.
داخل الغرفة كانت المفاجأة..جلس رجل مقيد إلى كرسي، بدا مرهقًا وضعيفًا، فرفع رأسه ببطء عندما دخل الفريق.
وتجمد آدم في مكانه..كان سمير الحاتم، حيًا.
نُقل سمير فورًا إلى مكان آمن، وبعد ساعات من الرعاية الطبية وافق على الحديث.
جلس آدم أمامه، ولأول مرة منذ بداية القضية، أصبح الشاهد الأهم أمامه مباشرة.
قال آدم:
"أريد الحقيقة كاملة."
أغلق سمير عينيه للحظة، ثم قال:
"لن تصدقها."
استمرت شهادته ساعات طويلة، وكشفت كثيرًا من الأسرار. أكد أن مشروع الوثبة بدأ كمبادرة مشروعة
لملاحقة شبكات خطيرة. لكن شخصًا مجهولًا تمكن من اختراق المشروع من داخله، وبمرور الوقت بدأ
يستخدم المعلومات لمصلحته الخاصة.
قال سمير:
"كل من اكتشف الحقيقة اختفى."
"فيصل؟"
أومأ برأسه.
"عرف أكثر مما يجب."
"وعاصم؟"
"الأمر نفسه."
ثم جاء السؤال الأهم..سأل آدم:
"ومن هو الرجل الذي يدير كل شيء؟"
ساد الصمت، ثم قال سمير:
"لا أعرف اسمه الحقيقي."
شعر آدم بالإحباط، لكن سمير تابع:
"كنت أعرفه باسم واحد فقط."
"ما هو؟"
أجاب:
"المنظم."
تبادلت مريم وآدم النظرات..كان هذا أول لقب حقيقي يظهر للعقل المدبر.
قال سمير:
"حتى أبو جهاد كان يتلقى الأوامر منه."
عاد الصمت إلى الغرفة. لقد تأكدت الشكوك أخيرًا، أبو جهاد لم يكن سوى قائد ميداني.
أما الرجل الحقيقي فظل مختبئًا طوال السنوات الماضية.
في المساء، بدأ الفريق البحث في جميع الملفات القديمة.
أي شخص ارتبط بمشروع الوثبة، أي شخص يملك خبرة تقنية أو تنظيمية، أي شخص يمكن أن يُعرف
بلقب "المنظم". لكن النتائج كانت كثيرة جدًا، والوقت كان قليلًا.
ثم جاءت المفاجأة..دخل أحد الضباط إلى غرفة العمليات مسرعًا، كان يحمل تقريرًا عاجلًا.
قال:
"وجدنا شيئًا في أجهزة الحاسوب التي صودرت من المجمع الجبلي."
اقترب الجميع..ظهرت رسالة مشفرة تم فكها قبل دقائق فقط، احتوت على إحداثيات، وموعد.
وتعليمات قصيرة.
قرأ آدم السطر الأخير بصوت مرتفع:
"الاجتماع النهائي."
أظهرت التحليلات أن الموعد سيكون بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، وفي موقع معزول خارج المدينة.
شعر الجميع أن اللحظة التي انتظروها تقترب..ربما يكون أبو جهاد هناك، وربما يظهر المنظم أخيرًا.
في تلك الليلة، وبينما كان الفريق يستعد للعملية القادمة، جلس آدم وحده يراجع جميع الأدلة مرة أخيرة.
الصور، التسجيلات، الأسماء، الوثائق..وفجأة لاحظ شيئًا صغيرًا لم ينتبه إليه من قبل.
تفصيلًا تكرر في عدة ملفات مختلفة..تفصيلًا كان موجودًا منذ بداية القضية، لكنه بدا غير مهم آنذاك.
أما الآن فقد غيّر كل شيء.
فتح آدم ملفًا قديمًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، وتأكد أخيرًا.
شعر بصدمة حقيقية، لأن الأدلة كلها كانت تشير إلى الشخص نفسه..الشخص الذي لم يشك فيه أحد تقريبًا.
الشخص الذي كان قريبًا من التحقيق أكثر مما ينبغي..رفع آدم رأسه ببطء، وهمس:
"مستحيل..."
لكن الأدلة لم تترك مجالًا للشك، لقد عرف أخيرًا هوية الخائن، وربما عرف أيضًا هوية المنظم.
لكن قبل أن يتمكن من إخبار أحد، وصلته رسالة على هاتفه..رسالة قصيرة من رقم مجهول.
احتوت على خمس كلمات فقط "نعرف أنك اكتشفت الحقيقة."