ظل المفتش نعمان يحدق في الصورة التي وجدها داخل منزل غسان البدوي.
الرائد يوسف نبيل، داخل غرفة العمليات، وأمام الكاميرا مباشرة، وكأنه يعلم أنه مراقب،وكأنه يريد أن يراه نعمان.
قال ناصر وهو يقف خلفه
"هل تعتقد أن غسان يحاول تضليلنا؟"
أجاب نعمان:
"ربما..لكن السؤال الحقيقي هو لماذا اختار يوسف بالذات؟"
في صباح اليوم التالي وصل الرائد يوسف إلى الإدارة كعادته.
كان هادئًا، واثقًا، ولا يبدو عليه أي ارتباك.
راقبه نعمان بصمت طوال الاجتماع الصباحي، ثم طلب منه البقاء بعد خروج الجميع..أُغلق الباب.
وبقي الرجلان وحدهما.
قال نعمان:
"أريد أن أسألك سؤالًا مباشرًا."
"تفضل."
أخرج الصورة ووضعها على الطاولة..نظر إليها يوسف، وللمرة الأولى تغيرت ملامحه.
اختفى هدوؤه للحظة قصيرة جدًا، لكن نعمان لاحظها.
"هل تريد أن تشرح؟"
تنهد يوسف، ثم جلس ببطء، وقال
"كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي أيضًا."
ساد الصمت..ثم أضاف:
"نعم، كنت أحقق في هذه القضية."
رفع نعمان حاجبيه.
"دون علم الإدارة؟"
أومأ يوسف.
"منذ سنوات."
"لماذا؟"
"لأنني لم أكن أعرف بمن أثق."
تجمد نعمان..كانت الجملة نفسها تقريبًا التي سمعها سابقًا من عباس مراد.
أخرج يوسف ملفًا صغيرًا من حقيبته، ووضعه أمام نعمان.
"كنت أجمع الأدلة سرًا."
"ضد من؟"
"ضد الشبح."
فتح نعمان الملف..وجد عشرات الملاحظات والصور، وأسماء شخصيات ظهرت سابقًا في التحقيق.
نعيم الزيدي، طارق الربيعي، والدكتور فيصل البحراوي، غسان البدوي.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه. كانت هناك صورة حديثة جدًا، صورة لمبنى مهجور، وتحتها تاريخ يعود إلى ثلاثة
أيام فقط.
سأل نعمان:
"أين هذا المكان؟"
أجاب يوسف:
"مخازن الأمل."
شعر نعمان بأن قطع اللغز بدأت تقترب من بعضها، فهذا هو المكان نفسه الذي اكتشفه الفريق باعتباره موقع
الاجتماع السري.
قال يوسف:
"الاجتماع سيُعقد خلال ثمانٍ وأربعين ساعة."
"هل أنت متأكد؟"
"متأكد."
لكن نعمان لم يكن مستعدًا لمنحه ثقته كاملة..قال
"وإذا كنت أنت الخائن؟"
ابتسم يوسف ابتسامة مريرة.
"كنت أعلم أنك ستسأل ذلك."
ثم أخرج ظرفًا آخر، ودفعه نحوه.
"افتحه."
احتوى الظرف على تسجيلات وصور ووثائق، وبعد مراجعتها لساعات طويلة، تأكد نعمان من شيء مهم.
يوسف كان بالفعل يتعقب الشبكة منذ سنوات، وكانت بعض المعلومات التي قدمها لا يمكن أن يمتلكها عضو
في العصابة.على الأقل ليس بالطريقة التي ظهرت بها..بدأت الشكوك حوله تتراجع، لكنها لم تختفِ تمامًا.
وفي مساء ذلك اليوم وقع حدث قلب التحقيق رأسًا على عقب.
دخل أحد الخبراء الرقميين إلى المكتب وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
وقال:
"نجحنا أخيرًا في استعادة الملفات المحذوفة من حاسوب غسان البدوي."
وقف الجميع، وبدأ الخبير بعرض البيانات، مئات الرسائل، وسجلات مالية، أسماء شركات.
ثم ظهر ملف بعنوان "المجلس."
فتح نعمان الملف، ووجد قائمة بأسماء الأشخاص الذين يديرون الشبكة.
لكن الصدمة كانت أن اسم غسان البدوي لم يكن في أعلى القائمة، بل كان مجرد عضو فيها.
قال ناصر بدهشة
"مستحيل."
أجاب نعمان:
"إذن غسان ليس الشبح."
"بل يعمل لديه."
أومأ نعمان ببطء..لقد سقط أكبر افتراض في القضية، مرة أخرى، ثم تابعوا قراءة الملف.
وكان هناك اسم واحد مخفي بالكامل تقريبًا، حيث انة استُبدلت حروفه برموز مشفرة.
لكن بجانبه لقب واضح "الرئيس."..الشخص الذي يصدر الأوامر النهائية. الشخص الذي يدين له الجميع بالولاء.
الشخص الذي يبدو أنه الشبح نفسه.
وفي الليلة التالية بدأت الشرطة التخطيط لمداهمة مخازن الأمل.
كان الجميع يدرك أن العملية قد تكون الفرصة الأخيرة. إذا فشلوا، فقد تختفي الشبكة كلها.
كما اختفت مرات سابقة.
وقبل ساعات من التنفيذ تلقى نعمان اتصالًا مجهولًا.
رفع السماعة، وجاءه صوت المرأة الغامضة. لكن هذه المرة كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
قالت:
"لقد اقتربت كثيرًا."
"من أنتِ؟"
"شخص ارتكب خطأ كبيرًا قبل سنوات."
"هل تعملين مع العصابة؟"
ساد الصمت..ثم قالت
"كنت أعمل معهم."
شعر نعمان بصدمة مفاجئة.
"ماذا؟"
"وأنا السبب في أن الشبح ما زال حرًا حتى الآن."
أمسك نعمان بالسماعة بقوة.
"إذن أخبريني من هو."
"لا أستطيع عبر الهاتف."
"لماذا؟"
"لأنهم يراقبون كل شيء."
"أين أنتِ؟"
أعطته عنوانًا سريعًا..ثم قالت:
"إذا وصلت قبلهم سأخبرك بالحقيقة كلها."
وانقطع الخط.
انطلق نعمان فورًا مع ناصر نحو العنوان.
كان منزلًا صغيرًا في أطراف المدينة. لكن عندما وصلا، كان الباب مفتوحًا، والمنزل خاليًا.
لا أحد في الداخل، ولا أي أثر لصاحبة الاتصال. لكن فوق الطاولة الخشبية القديمة وُجد ظرف واحد.
فتح نعمان الظرف، فسقطت منه صورة..نظر إليها، ثم تجمد مكانه.
كانت الصورة ملتقطة قبل خمسة عشر عامًا، وتُظهر مجموعة من الضباط الشباب أثناء حفل تخرجهم.
وفي الصف الأمامي وقف شخصان جنبًا إلى جنب.
غسان البدوي، وشخص آخر..شخص يعرفه نعمان جيدًا. شخص يعمل حتى اليوم داخل جهاز الشرطة.
وفي خلف الصورة كُتبت عبارة بخط مرتجف "ابحث عن أول من علم بوجود الشبح."
رفع نعمان عينيه ببطء.
وكان يدرك أن الحقيقة لم تعد خارج جهاز الشرطة فقط، بل ربما كانت مختبئة في قلبه منذ البداية.