لم يغادر المفتش نعمان مكتبه تلك الليلة.
كانت صورة الرجال الأربعة أمامه، نعيم الزيدي، طارق الربيعي، الدكتور فيصل البحراوي.
وغسان البدوي..الرجل الذي عاد اسمه من الماضي فجأة..الرجل الذي أشارت إليه المرأة الغامضة.
الرجل الذي لم يذكره أحد طوال التحقيق، وهو ما جعله أكثر خطورة.
بدأ نعمان بمراجعة ملف غسان البدوي بالكامل. كان ضابطًا لامعًا في بداياته، حقق نجاحات كبيرة.
وحصل على عدة ترقيات، لكن قبل اثني عشر عامًا حدث أمر غامض..استقال فجأة، واختفى تقريبًا
من الحياة العامة، لا مقابلات، لا أعمال تجارية معلنة، ولا نشاط اجتماعي، وكأنه تبخر.
قال ناصر:
"شخص يملك هذا الكم من العلاقات لا يختفي هكذا."
أجاب نعمان:
"إلا إذا كان لا يريد أن يراه أحد."
بعد يومين من البحث المكثف توصل الفريق إلى معلومة جديدة.
غسان البدوي يمتلك، عبر شركات بأسماء مستعارة، عدة عقارات ومستودعات في أطراف المدينة.
وكان أحد تلك العقارات قريبًا جدًا من الموقع الذي اختفى فيه طارق الربيعي.
قال ناصر:
"هذا لا يمكن أن يكون مصادفة."
أومأ نعمان.
"لم أعد أؤمن بالمصادفات في هذه القضية."
قرر الفريق مراقبة أحد المستودعات المرتبطة بغسان.
وبعد ليلة كاملة من الانتظار، ظهرت سيارة سوداء عند الفجر..ترجل منها رجلان، ثم فتحا الباب الخلفي.
وأخرجا شخصًا مقيد اليدين.
شعر نعمان بتسارع نبضه..أعطى الإشارة بالتقدم، وتحركت القوة بسرعة.لكن الرجال لاحظوا وجود الشرطة.
وحاولوا الفرار، فاندلعت مطاردة قصيرة.
تمكن الضباط من القبض على أحدهما، بينما هرب الآخر. أما الشخص المقيد فقد كان فاقدًا للوعي.
وحين أزالوا الغطاء عن وجهه، صُدم الجميع..كان طارق الربيعي.
نُقل طارق إلى المستشفى تحت حراسة مشددة، وبعد ساعات استعاد وعيه.
جلس نعمان إلى جواره مباشرة.
وقال:
"انتهى وقت الأسرار."
نظر طارق إليه طويلاً، ثم قال بصوت ضعيف
"كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي."
"من هو الشبح؟"
ساد الصمت..ثم أجاب طارق
"لا أحد يعرف شكله الحقيقي."
"ماذا يعني هذا؟"
"طوال السنوات الماضية كان يتعامل معنا عبر وسطاء فقط."
"حتى أنت؟"
أومأ طارق.
"حتى أنا."
بدأ طارق يكشف أجزاء من الحقيقة، واعترف بأنه شارك في تأسيس شبكة الأعمال التي استغلتها العصابة لاحقًا.
لكنه أكد أنه لم يكن يعلم حجم المشروع الإجرامي في بدايته، وقال إن غسان البدوي كان الشخصية الأكثر نفوذًا
بين المؤسسين. لكن مع مرور الوقت بدأ الجميع يتلقون أوامر من شخص مجهول يحمل لقب "الشبح". شخص لم يكن يظهر لأحد.
سأله نعمان:
"وهل غسان هو الشبح؟"
نظر طارق إلى السقف، ثم قال
"كنت أظن ذلك..لكنني لم أعد متأكدًا."
أصبحت القضية أكثر تعقيدًا، لكنها أصبحت أوضح أيضًا، فالأدلة بدأت تتجمع حول غسان البدوي، ومع ذلك
لم يكن هناك دليل قاطع يربطه مباشرة بلقب الشبح.
في مساء اليوم التالي حدث تطور مهم.
اعترف أحد أفراد العصابة الذين قبض عليهم سابقًا بمعلومة جديدة. قال إن هناك اجتماعًا سريًا سيعقد خلال أيام.
وسيحضره كبار أعضاء الشبكة.
مكان الاجتماع لم يكن معروفًا، لكن كلمة سر واحدة كانت مستخدمة بينهم، "الأمل."
بدأ الفريق بالبحث عن أي موقع أو شركة أو مستودع يحمل هذا الاسم، وبعد ساعات من التدقيق
اكتشفوا مبنى قديمًا مهجورًا كان يسمى سابقًا "مخازن الأمل التجارية"، ويقع قرب المنطقة الصناعية.
وفي الوقت نفسه وصل تقرير جديد من خبراء الاتصالات، حيث تمكنوا أخيرًا من تتبع مصدر بعض المكالمات
المشفرة التي استخدمتها العصابة، والمفاجأة كانت أن الإشارات كلها مرت عبر برج اتصالات يقع قرب منزل
شخص واحد فقط..غسان البدوي.
للمرة الأولى أصبح لدى نعمان ما يكفي لطلب مذكرة تفتيش.
وفي صباح اليوم التالي تحركت قوة كبيرة نحو منزل غسان. لكن عندما اقتحموا المكان لم يجدوا أحدًا.
كان المنزل فارغًا، وكأن صاحبه غادر قبل دقائق فقط. لكن نعمان لاحظ شيئًا فوق المكتب الرئيسي.
ظرفًا أبيض، يحمل اسمه..فتح الظرف بحذر، ووجد بداخله رسالة قصيرة، "أحسنت يا نعمان."
"لقد وصلت أبعد من أي شخص قبلك، لكنك ما زلت تبحث في المكان الخطأ."
وتحت الرسالة صورة حديثة.
نظر إليها نعمان، ثم شحب وجهه. كان الشخص الظاهر في الصورة هو الرائد يوسف نبيل.
ضابط الشرطة الذي اشتبهوا به سابقًا.
لكن الصدمة لم تكن في وجوده، بل في المكان الذي التُقطت فيه الصورة. كان يقف داخل غرفة العمليات
الخاصة بالشرطة، وأمام الكاميرا مباشرة، وكأنه يعلم بوجودها، وفي أسفل الصورة ظهرت عبارة واحدة
"الخيانة أقرب مما تتخيل."
أغلق نعمان الظرف ببطء.
وأدرك أن الساعات القادمة قد تجبره على مواجهة حقيقة لم يكن يريد تصديقها.