لم ينطق المفتش نعمان بكلمة وهو يحدق في الصورة القديمة.
كانت الصورة قد التُقطت قبل خمسة عشر عامًا..صف من الضباط الشباب يبتسمون أمام عدسة الكاميرا.
وفي المقدمة وقف غسان البدوي إلى جوار رجل آخر، رجل يعرفه نعمان جيدًا..رجل عمل معه سنوات طويلة.
رجل لم يشك فيه أحد يومًا..العميد حمزة الفاروق.
عاد نعمان إلى مكتبه قبل الفجر.
أغلق الباب، ووضع جميع الأدلة على الطاولة، صور، ورسائل، ملفات مالية، تقارير المراقبة.
وتسجيلات طارق الربيعي.
بدأ يعيد ترتيب كل شيء من البداية، كما لو أنه يحقق في القضية لأول مرة.
مع شروق الشمس بدأ شيء غريب يظهر.
كل الخيوط التي بدت متفرقة سابقًا كانت تلتقي عند نقطة واحدة..العميد حمزة كان حاضرًا في معظم
المحطات المهمة للقضية، وهو من أشرف على التحقيق الأول عندما اختفى عباس مراد، وهو من أغلق
بعض الملفات القديمة المرتبطة بغسان البدوي، وهو أول من اطّلع على تقارير الابتزاز عندما بدأت العصابة نشاطها.
لكن وجوده في الأحداث لا يثبت شيئًا..إلا أن هناك شيئًا آخر..شيئًا أكثر خطورة.
استدعى نعمان الرائد يوسف نبيل سرًا، وعرض عليه الأدلة.
ظل يوسف صامتًا طويلاً..ثم قال:
"كنت أخشى أن تصل إلى هذا الاستنتاج."
رفع نعمان رأسه.
"إذن كنت تشك فيه؟"
أومأ يوسف.
"منذ سنوات."
"ولماذا لم تتكلم؟"
ابتسم بمرارة.
"لأن من يتهم رجلاً بمكانة العميد حمزة يحتاج إلى أكثر من الشكوك."
في تلك اللحظة دخل ناصر المكتب مسرعًا، وكان يحمل تقريرًا جديدًا.
وقال:
"وجدنا شيئًا في الملفات المحذوفة الخاصة بغسان البدوي."
فتح الملف، وظهرت رسالة إلكترونية قديمة، مرسلة من حساب مشفر.لكن الخبراء تمكنوا من تتبع مصدرها.
كانت الرسالة تحمل تعليمات مباشرة لإدارة شبكة الابتزاز، وفي نهايتها توقيع واحد، “ح.ف”
ساد الصمت.
قال ناصر:
"حمزة الفاروق."
لكن نعمان لم يرد.
كان يعلم أن الحروف وحدها لا تكفي.
في مساء ذلك اليوم بدأت عملية مراقبة سرية للعميد حمزة.
ولم يُبلغ بها سوى ثلاثة أشخاص، نعمان، ناصر، ويوسف.
كان عليهم التأكد قبل اتخاذ أي خطوة، وبعد ساعات فقط جاءت أول مفاجأة.
خرج العميد حمزة من منزله بعد منتصف الليل. رغم أنه كان في إجازة رسمية.
استقل سيارة غير مسجلة باسمه، واتجه نحو المنطقة الصناعية.
قال ناصر عبر جهاز الاتصال:
"إنه يتحرك."
أجاب نعمان:
"استمروا بالمراقبة، ولا تتدخلوا."
استمرت المطاردة أكثر من أربعين دقيقة..حتى وصلت السيارة إلى مخازن الأمل.
الموقع نفسه الذي اكتشفه التحقيق سابقًا.
توقف الجميع.
شعر نعمان بأن قلبه يخفق بقوة.
نزل حمزة من السيارة، ثم دخل إلى المبنى، وبعد دقائق بدأت سيارات أخرى بالوصول.
رجال أعمال، وسطاء، وأفراد معروفون بارتباطهم بالعصابة.
كان الاجتماع السري قد بدأ.
قال ناصر:
"لدينا ما يكفي للقبض عليهم."
لكن نعمان هز رأسه.
"ليس بعد."
"لماذا؟"
"لأنني لا أريد أفراد العصابة فقط."
"أريد الشبح."
انتظروا أكثر من ساعة..ثم حدث أمر غير متوقع.
وصلت سيارة سوداء فاخرة إلى الموقع، وتوقفت أمام المدخل الرئيسي، ثم نزل منها رجل مسن.
لم يكن أحد من الموجودين يعرفه، لكن المفاجأة أن العميد حمزة نفسه خرج لاستقباله، بل وانحنى له باحترام واضح.
تجمد نعمان.
قال يوسف عبر جهاز الاتصال:
"هل ترى ما أراه؟"
"نعم."
"حمزة ليس القائد."
ساد الصمت..دخل الرجل المجهول إلى المبنى، وتبعه الجميع.
في تلك اللحظة أدرك نعمان حقيقة صادمة، لقد كانوا مخطئين مرة أخرى.
العميد حمزة لم يكن الشبح، بل أحد أتباعه..ربما أقواهم، لكن ليس العقل المدبر.
بعد دقائق اتخذ نعمان قراره.
"نبدأ العملية."
"الآن."
اندفعت قوات الشرطة نحو المبنى، وأُغلقت جميع المخارج، وسادت الفوضى.
حاول بعض أفراد العصابة الهرب، بينما استسلم آخرون.لكن الشخص الذي كان يبحث عنه نعمان لم يكن بينهم.
الرجل المسن اختفى، وكأنه تبخر.
أُلقي القبض على العميد حمزة الفاروق، ونُقل إلى غرفة التحقيق مباشرة.
جلس أمام نعمان صامتًا، لا خوف، لا ارتباك، بل ابتسامة صغيرة فقط.
قال نعمان:
"انتهت اللعبة."
ضحك حمزة بهدوء..ثم قال:
"لو كنت مكانك لما احتفلت مبكرًا."
"لماذا؟"
مال إلى الأمام قليلًا، وقال:
"لأنك ما زلت لا تعرف من هو الشبح."
أخرج نعمان صورة الرجل المسن، ووضعها أمامه.
"من هذا؟"
نظر حمزة إلى الصورة، ثم ابتسم من جديد.
"عندما تعرف اسمه...ستفهم لماذا لم يستطع أحد إيقافه طوال عشرين عامًا."
وقبل أن يضيف كلمة أخرى، انفتح باب غرفة التحقيق بعنف، ودخل أحد الضباط مسرعًا.
كان وجهه شاحبًا.
قال:
"سيدي... لدينا مشكلة."
التفت نعمان.
"ماذا حدث؟"
أجاب الضابط:
الشخص الذي ساعدنا في تحديد مكان الاجتماع...تم العثور عليه قبل دقائق..مقتولًا.
تجمد نعمان.
"من؟"
ابتلع الضابط ريقه، ثم قال:
"المرأة المجهولة."
ساد الصمت في الغرفة، أما العميد حمزة فرفع رأسه ببطء، وظهرت على وجهه ابتسامة غامضة.
ثم قال:
"الآن فقط...بدأ الشبح يمحو آثاره."