Qaed

شارك على مواقع التواصل

وقف المفتش نعمان أمام نافذة مكتبه مع بزوغ الفجر.
كانت المدينة تستيقظ ببطء، لكن عقله لم يعرف الراحة منذ أيام.
المرأة المجهولة قُتلت، العميد حمزة اعتُقل، مخازن الأمل سقطت، ومع ذلك ظل السؤال الأهم بلا إجابة
من هو الشبح؟
جلس نعمان أمام ملف القضية للمرة الأخيرة.
أعاد قراءة كل شيء، من أول رسالة ثعبان وصلت إلى الحاج رشيد، وإلى آخر كلمة قالها العميد حمزة.
ثم توقف عند تفصيل صغير، تفصيل تجاهله الجميع، وحتى هو.
الرجل المسن الذي حضر اجتماع مخازن الأمل، لم يكن اسمه موجودًا في أي ملف، ولم تظهر له
أي صورة حديثة، وكأن شخصًا محاه عمدًا من السجلات. لكن شيئًا واحدًا بقي..
خاتم فضي كان يرتديه في يده اليمنى.
أرسل نعمان صورة الخاتم إلى قسم التحليل.
وبعد ساعات جاء الرد..الخاتم ليس عاديًا، بل يحمل شعار جمعية اقتصادية قديمة تأسست
قبل أكثر من عشرين عامًا، وكان من بين مؤسسيها أربعة رجال فقط..أحدهم غسان البدوي.
والثاني نعيم الزيدي، أما الثالث فكان اسمًا صدم نعمان..ياسر الماجد.
كان ياسر الماجد أحد أشهر رجال الأعمال في المدينة، محسنًا معروفًا، ومتبرعًا دائمًا للمؤسسات الخيرية.
بل وأكثر من ذلك. كان الرجل الذي ساعد في تأسيس مؤسسة الهبة التي استُخدمت لاحقًا لغسل الأموال.
بدأت الصورة تكتمل.
ياسر لم يظهر في التحقيقات، لم يُذكر اسمه، لم يُتهم، ولم يُراقب، لأن الجميع كانوا ينظرون إلى الأشخاص
الذين ينفذون الجرائم، لا إلى الرجل الذي يقف خلف الستار.
استخرج نعمان الملفات القديمة.
واكتشف شيئًا حاسمًا..ان كل الشخصيات المرتبطة بالعصابة كانت تدين بالفضل لياسر الماجد
بطريقة أو بأخرى، غسان البدوي بدأ أعماله معه، ونعيم الزيدي حصل على أول تمويل منه.
الدكتور فيصل عمل مستشارًا في إحدى شركاته، حتى العميد حمزة كانت بينهما علاقات قديمة.
في تلك اللحظة دخل ناصر المكتب.
قال:
"لدينا خبر جديد."
"ماذا؟"
"العميد حمزة قرر الكلام."
دخل نعمان غرفة التحقيق.
جلس حمزة صامتًا للحظات..ثم قال
"أعتقد أنك عرفت أخيرًا."
لم يرد نعمان..ووضع صورة ياسر الماجد أمامه.
ظهرت لأول مرة علامات الهزيمة على وجه العميد.
وقال:
"نعم..هو الشبح."
ساد الصمت..ثم تابع حمزة
"قبل عشرين عامًا أسس شبكة صغيرة لابتزاز بعض التجار، لكنها نمت، وتوسعت، وأصبحت إمبراطورية."
"ولماذا لم يوقفه أحد؟"
ضحك حمزة بمرارة.
"لأنه لم يكن يظهر أبدًا..كان يجعل الآخرين يبدون كقادة، وكلما سقط واحد منهم، بقي هو في الظل."
خلال ساعات استصدرت الشرطة أوامر القبض.
وانطلقت قوة كبيرة نحو قصر ياسر الماجد خارج المدينة. لكن عندما وصلت القوة كان المكان فارغًا.
مرة أخرى، وجدوا آثار مغادرة سريعة، ووثائق محترقة، وحواسيب مدمرة.
لكن نعمان كان يتوقع ذلك.
لذلك كان قد أمر بمراقبة جميع الطرق المؤدية إلى المطار والميناء والحدود.
وفي المساء وصل البلاغ المنتظر.
سيارة فاخرة شوهدت قرب الميناء القديم..المكان الذي بدأت عنده القضية تقريبًا.
تحرك نعمان فورًا، ومعه ناصر وفريق خاص.
كان الليل هادئًا، والبحر مظلمًا، وعند أحد الأرصفة وقف ياسر الماجد..وحيدًا..ينتظر زورقًا سريعًا.
وكأنه كان يعلم أن النهاية اقتربت.
اقترب نعمان ببطء.
وقال:
"انتهى الأمر يا ياسر."
التفت الرجل المسن، وبدا هادئًا بصورة مدهشة.
قال:
"كنت أعلم أنك ستصل."
"إذن لماذا تهرب؟"
ابتسم ياسر.
"لأن الرجال مثلي لا ينتظرون السجون."
أحاطت الشرطة بالمكان.
لكن ياسر لم يقاوم، بل نظر إلى البحر وقال
"تعرف ما الخطأ الذي ارتكبته؟"
"ما هو؟"
"أنك ظننت أن القضية بدأت برسالة ثعبان."
هز نعمان رأسه.
"بل بدأت بالطمع."
للمرة الأولى اختفت ابتسامة ياسر، وعرف أن اللعبة انتهت.
رفع يديه مستسلمًا، وانتهت مطاردة استمرت شهورًا.
خلال الأسابيع التالية انهارت الشبكة بالكامل.
اعترف عشرات المتورطين، واستعيدت أموال كثيرة، وتوقف مسلسل الابتزاز الذي أرعب التجار سنوات طويلة.
أما نعيم الزيدي وفيصل البحراوي فحوسبا على الجرائم التي شاركا فيها. بينما حصل طارق الربيعي على تخفيف
للعقوبة مقابل تعاونه الكامل مع العدالة.
أما الرائد يوسف فقد كُرم لدوره في كشف أجزاء مهمة من الشبكة، وفي أحد أيام الربيع، عاد الحاج رشيد
إلى متجره..هذه المرة دون خوف، ودون رسائل تهديد، ودون ثعابين سوداء.
أما المفتش نعمان فكان يجلس في مكتبه يراجع تقرير إغلاق القضية.
دخل ناصر مبتسمًا.
وقال:
"انتهت أخيرًا."
أغلق نعمان الملف، ونظر عبر النافذة.
ثم قال:
"كل قضية تنتهي، لكن الجريمة لا تنتهي أبدًا."
ضحك ناصر.
"وهذا يعني؟"
ابتسم نعمان ابتسامة خفيفة.
وأجاب:
"أن هناك قضية جديدة تنتظرنا في مكان ما."
وفي الخارج كانت المدينة تواصل حياتها كالمعتاد، دون أن تعرف كم كان الظل قريبًا منها.
ودون أن تعرف أن الشبح...سقط أخيرًا.
تمت
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.