Qaed

شارك على مواقع التواصل

بقيت الصورة القديمة على شاشة الحاسوب.
أربعة رجال يقفون معاً، ثلاثة وجوه معروفة، ووجه رابع مخفي عمداً.
لكن تأثير الصورة كان كافياً لزرع الشك في الجميع.
قالت روز وهي تحدق في الشاشة:
"لماذا يخفي أحدهم هذا الوجه بالتحديد؟"
أجاب علي:
"لأنه الأهم."
"أو الأخطر."
نظر إليها بصمت..ثم أومأ موافقاً.
في الأيام التالية، انشغل علي وروز بمحاولة تحديد هوية الرجل الغامض.
راجعا عشرات الصور القديمة، وسجلات الشركات، وملفات الشراكات التجارية. لكن دون نتيجة حاسمة.
كان الأمر وكأن شخصاً محا وجوده من كل مكان.
في المقابل، استمر البحث عن جد علي، ورغم كل المحاولات، لم يتمكن أحد من تحديد مكانه.
لكن رسالة الجد الأخيرة ظلت تتردد في أذهانهما:
"لا تثق بأحد... خصوصاً بالشخص الذي يحمل المفتاح."
المفتاح. أصبح هذا اللغز الجديد محور كل شيء، لكن لا أحد يعرف ماذا يعني.
في إحدى الأمسيات، بينما كانا يعملان في مكتبة الجامعة، لاحظت روز شيئاً غريباً.
كان علي يبدو مرهقاً بشكل غير معتاد.
سألته:
"متى كانت آخر مرة نمت فيها جيداً؟"
ابتسم بتعب.
"لا أتذكر."
"هذا ليس جواباً."
"ربما يوم الاثنين."
نظرت إليه بدهشة.
"اليوم الخميس."
ضحك، وللمرة الأولى منذ أسابيع شعرت أن الضحك عاد بينهما.
بعد ساعات طويلة من العمل، أغلقت روز الحاسوب.
وقالت:
"أعتقد أننا نستحق استراحة."
"أتفق معك."
"أخيراً وافقتني على شيء."
ابتسم، ثم نظر إليها للحظة أطول من المعتاد.
وقال بهدوء:
"أوافقك على أشياء كثيرة."
شعرت روز بأن قلبها يتسارع، لكنها لم ترد، واكتفت بالنظر بعيداً.
في تلك الليلة خرجا من الجامعة متأخرين.
وكان الحرم الجامعي شبه خالٍ. سارا معاً عبر الممرات الهادئة.
وقال علي فجأة:
"هل ندمتِ على معرفتي؟"
توقفت روز، لم تتوقع السؤال، فنظرت إليه، ورأت في عينيه شيئاً لم تره من قبل، الخوف، خوف حقيقي.
قالت بعد صمت طويل:
"لا."
بدت عليه الراحة، لكنها أضافت:
"رغم أنني ما زلت غاضبة منك."
ضحك بخفة.
"هذا عادل."
وصلا إلى البحيرة الصغيرة داخل الحرم الجامعي.
وتوقفا هناك. كانت الأضواء تنعكس فوق الماء، والهدوء يحيط بهما.
قال علي:
"هناك شيء أردت قوله منذ فترة."
شعرت روز بأن أنفاسها تتباطأ.
نظر إليها مباشرة، ولم يبعد عينيه هذه المرة.
"روز..."
لكن قبل أن يكمل، رن هاتفه فجأة..أغلق عينيه بإحباط.
أما هي فضحكت رغماً عنها، وكانت تلك أول مرة يضيع فيها شيء جميل بسبب هاتف.
في اليوم التالي حدث تطور مهم.
اتصل جون بروز بشكل عاجل، وقال إنه اكتشف معلومة جديدة.
وافقت على لقائه، رغم اعتراض علي.
التقت بجون في مقهى هادئ خارج المدينة.
بدا متوتراً بشكل واضح.
وقال فور جلوسها:
"أعرف من الرجل الرابع."
شعرت روز بأن قلبها قفز من مكانه.
"من هو؟"
أخرج ظرفاً قديماً، ووضعه أمامها.
"الدليل هنا."
مدت يدها نحوه، لكن جون أمسكه.
"هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه."
"ماذا؟"
نظر حوله بحذر..ثم قال:
"هناك شخص قريب جداً منكم يعمل لصالح روبرت."
تجمدت.
"من؟"
وقبل أن يجيب...سمعا صوت ارتطام قوي بالخارج..التفت جون بسرعة نحو النافذة، وشحب وجهه.
بعد دقائق قليلة اختفى، ببساطة اختفى.
ترك الظرف على الطاولة وغادر من الباب الخلفي، وعندما خرجت روز بحثاً عنه لم تجده، وكأنه تبخر.
عادت إلى الجامعة وهي تحمل الظرف.
وهناك التقت بعلي، وفتحا الظرف معاً، وبدآ بقراءة محتوياته، ومع كل صفحة كانت الصدمة تكبر.
حتى وصلا إلى آخر ورقة..فتجمدا معاً، لأن الاسم المكتوب هناك لم يكن اسم شخص غريب.
بل اسم شخص يعرفانه جيداً..شخص وثقا به منذ البداية، شخص كان إلى جانبهما طوال الوقت.
همست روز بصدمة:
"مستحيل..."
أما علي فلم ينطق بكلمة..كان ينظر إلى الاسم فقط، غير مصدق. كان الاسم هو: ناصر.
أفضل أصدقاء علي، والشخص الذي رافقه منذ سنوات.
رفض علي التصديق.
"هذا مزور."
"ربما."
"لا... مستحيل أن يفعل ذلك."
لكن الشك بدأ يتسلل إلى قلبه رغم كل شيء.
وفي تلك الليلة، قرر مواجهة ناصر.
التقيا في موقف سيارات هادئ، وكان ناصر يبدو طبيعياً في البداية.
حتى أخرج علي الأوراق، ووضعها أمامه..اختفت الابتسامة فوراً، وشحب وجهه.
في تلك اللحظة فقط...عرف علي الحقيقة.
قال بصوت منخفض:
"أخبرني أنها كذبة."
ساد الصمت..ثم أغلق ناصر عينيه.
وقال:
"كنت أحاول حمايتك."
شعر علي وكأن الأرض تهتز تحت قدميه، لأنها كانت الجملة نفسها التي قالها جون.
الجملة نفسها التي يستخدمها الجميع.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها..رفع ناصر رأسه، ونظر مباشرة إلى علي.
ثم قال:
"إذا أردت إنقاذ جدك...فعليك أن تسلّم الملف الأصلي قبل فوات الأوان."
شعرت روز بالبرد يسري في جسدها، أما علي فحدق في صديقه غير مصدق، لأن ذلك كان يعني شيئاً واحداً فقط.
ناصر لم يكن مجرد خائن، بل كان جزءاً من المؤامرة منذ البداية.
وفي اللحظة التي استدار فيها ناصر للمغادرة، قال جملة أخيرة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع:
"بالمناسبة..."
نظر إلى روز..ثم أكمل:
"والدتك لم تمت بسبب الحادث الذي أخبروك عنه."
ساد الصمت..ثقيلاً، مرعباً، ثم رحل، وتاركاً خلفه سؤالاً واحداً فقط...
إذا لم تمت والدة روز بسبب الحادث...فكيف ماتت؟
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.