لم ينم أحد تلك الليلة.
كلمات ناصر الأخيرة ظلت تتردد في ذهن روز بلا توقف.
"والدتك لم تمت بسبب الحادث الذي أخبروك عنه."
كانت الجملة كافية لتدمير كل ما اعتقدت أنها تعرفه عن ماضيها.
جلست في غرفتها حتى الفجر، تنظر إلى صورة قديمة تجمعها بوالدتها، وتحاول استيعاب ما يحدث.
إذا لم يكن الحادث هو السبب...فما الحقيقة؟ ومن أخفاها طوال هذه السنوات؟
أما علي فكان يعيش صدمة مختلفة.
لم يكن يستطيع تصديق خيانة ناصر، صديقه الأقرب. الشخص الذي شاركه سنوات من حياته.
كان يشعر وكأن جزءاً من ماضيه قد انهار فجأة، ومع ذلك، لم يكن لديه وقت للحزن، لأن حياة جده ما زالت في خطر.
في صباح اليوم التالي، قرر علي وروز مواجهة الحقيقة مباشرة.
كانت البداية مع والد روز، وصلت إليه دون موعد مسبق، ودخلت مكتبه وهي تحمل الملف.
قالت بصوت حازم:
"أريد الحقيقة كاملة."
رفع الرجل رأسه ببطء، وعرف فوراً أن لحظة الهروب انتهت.
استمر الحديث لساعات، وللمرة الأولى، كشف والدها كل شيء.
قبل سنوات طويلة، لم تكن المشكلة مجرد مشروع تجاري فاشل، بل قضية فساد ضخمة.
تم خلالها تزوير مستندات مالية وإخفاء ملايين الدولارات، وكان هناك شخص واحد يدير كل شيء من الظل.
الرجل الرابع الموجود في الصورة، الرجل الذي أخفي وجهه.
أما والدة روز...فقد اكتشفت الأمر بالصدفة. كانت تعمل على مراجعة بعض الوثائق، وعثرت على تناقضات خطيرة.
وعندما بدأت التحقيق بنفسها، اقتربت كثيراً من الحقيقة..أكثر مما ينبغي.
شعرت روز بأن الدم يتجمد في عروقها.
"هل قُتلت؟"
ساد الصمت..ثم أجاب والدها بصوت مكسور:
"لا أملك دليلاً قاطعاً..لكنني لم أصدق يوماً أن ما حدث كان مجرد حادث."
انهمرت الدموع من عينيها. لأن الشك الذي عاش داخلها سنوات طويلة تحول أخيراً إلى احتمال مرعب.
في الوقت نفسه، كان علي يبحث بين أوراق جده القديمة.
وهناك اكتشف شيئاً مهماً. رسالة كتبها الجد قبل أشهر، وكأنه كان يتوقع ما سيحدث.
كانت الرسالة تحتوي على عنوان قديم في أطراف مسقط، وفي نهايتها جملة واحدة:
"إذا اختفيت يوماً، ابحثوا هنا."
لم يتردد علي، وانطلقت روز معه فوراً.
كانت الرحلة طويلة، والتوتر يزداد مع كل كيلومتر. حتى وصلا إلى مبنى قديم مهجور. يقع وسط منطقة شبه خالية.
دخلا بحذر، وتنقلا بين الغرف المظلمة، حتى وجدا مكتباً صغيراً في الطابق العلوي.
كانت هناك خزانة حديدية قديمة، ومفتوحة. لكن الأهم من ذلك...كان ما بداخلها.
وجدوا صندوقاً خشبياً صغيراً، وبداخله عشرات الوثائق الأصلية، المستندات التي بحث عنها الجميع لعقود.
الملف الأصلي، أخيراً.
شعرت روز بأن الحقيقة أصبحت بين أيديهم.
لكن فرحتها لم تدم طويلاً، لأنهم وجدوا أيضاً رسالة أخرى. رسالة كتبها جد علي بخط يده.
بدأ علي القراءة بصوت مرتجف:
"إذا كنتم تقرؤون هذه الرسالة، فهذا يعني أن الحقيقة اقتربت من الظهور."
توقف للحظة، ثم أكمل.
"والد علي بريء."
اتسعت عينا روز، أما علي فشعر بأن قلبه توقف.
واصل القراءة.
"وروبرت توم لم يكن العقل المدبر."
تبادل الاثنان النظرات بصدمة.
إذاً من بقي؟ من هو الرجل الرابع؟
ثم جاء السطر الأخير..السطر الذي قلب كل شيء.
"الرجل الذي دمّر حياتنا جميعاً... كان شريكنا الذي وثقنا به أكثر من أي شخص آخر."
لكن الاسم لم يكن مكتوباًن كان ممزقاً من الورقة، عمداً.
في تلك اللحظة سمعا صوتاً خلفهما.
صوت تصفيق بطيء، بارد، ومخيف.
استدارا بسرعة، فتجمدا في مكانهما.
كان هناك رجل يقف عند باب الغرفة، يمنع طريق الخروج.
رجل يعرفانه جيداً. لكن وجوده هناك كان مستحيلاً.
همست روز بصدمة:
"جون؟"
ابتسم جون ابتسامة غامضة، لكن شيئاً في عينيه لم يكن طبيعياً.
قال بهدوء:
"كنت أعلم أنكما ستصلان إلى هنا."
شعر علي بالخطر فوراً.
"ماذا تفعل هنا؟"
تقدم جون خطوة واحدة.
ثم قال:
"أحاول منعكما من ارتكاب الخطأ نفسه الذي ارتكبه الآخرون."
لكن قبل أن يجيب أحد، ظهر شخص ثانٍ خلف جون. شخص كان مختفياً طوال الرواية.
شخص اعتقد الجميع أنه ضحية، وليس لاعباً في الأحداث.
اتسعت عينا علي، وسقطت الرسالة من يده. لأن الرجل الذي ظهر خلف جون...كان جده، حياً، وسليماً.
وينظر إليهما بنظرة غامضة لا يمكن تفسيرها.
قال الجد بهدوء:
"حان الوقت لتعرفا الحقيقة كاملة."
ثم نظر مباشرة إلى روز، وأضاف:
"لكن ما سأقوله الآن سيغير كل شيء تعرفينه عن والدتك."
شعرت روز بأن قلبها يكاد يتوقف، لأنها أدركت أن الحقيقة الكبرى...لم تُكشف بعد.