كانت الأيامُ تمضي ثقيلةً على سوزي، و الظلامَ قد تكاثفَ حولها حتى بات يتسلّلُ إلى صدرها و يعصرُ قلبها ببطء.
وها هي ليلةٌ أُخرى تجلسُ على مكتبها، تحاولُ التركيزَ على دفترِ ملاحظاتها، فقد اعتادت أن تكتب فيه كلَّ شيء... أفكارَها، مواقفَ يومها، وحتى أحلامَها.
وضعت القلمَ على الدفتر، وأطلقت زفرةً مرتعشة.
دوّى صوتُ رنينٍ الهاتف...
كان مُغلقًا، وقد تأكّدت من ذلك بنفسها.
رغم ذلك، ها هي الشاشة تُضيء بضوءٍ خافت.
امتدّت يدُها المرتجفة نحو الهاتف، وسحبت الشاشة ببطء.
ظهرت صورةٌ جديدة...
و هذه المرة... الصورة كانت أقرب.
غرفةُ الجلوس داخل المنزل .
وضَعَتْ يَدها فوْقَ فَمِها، بِصدْمةٍ.
الْتقطَتْ هاتفَها، لِتَتَّصل بِماري لم يكن هناك مجالٌ للتفكير... كان الخوفُ قد سيطر عليها تمامًا.
"مرحب..."
"ماري... إنّه هو مرةً أُخرى، ماذا أفعل؟!" قالتها بسرعةٍ تتدافع ُالكلمات ُمن فمها دون ترتيب.
"سوزي، اهدئي... فقط أخبريني، ماذا حدث؟ ألم نقم بإزالة التطبيق؟"
قالت سوزي بانفعال: "وهذا ما سيفقدني عقلي! لقد قمنا بإزالتِه، ومع ذلك... لا تزال تصلني تلك الرسائل والان صور... وهي تقترب، كلّ مرةٍ أَكثر من السابقة!"
صمتت ماري قليلًا تفكر" صور ؟!"...
تنهدت، ثم قالت: "اسمعيني جيدًا... الآن، قومي بإغلاق جميعِ النوافذِ والأبواب، وغطّي أيّ منفذٍ في المنزل. وغدًا... سوف آتي إليكِ، لنضعَ حدًّا لهذا الموضوع."
"ح... حسنًا... أنتظركِ غدًا."
أَغْلقتِ الهاتفَ، وحاولَتِ النَّوْمَ، لعَلَّها تَنْسى قليلًا.
*****
كان الهواءُ مُشبَعًا برائحة المطر، رغم أنّ السماءَ لم تمطر ذلك الصباح.
التقت سوزي وماري عند بوابة المدرسة .
وقفت الأولى شاردة، تحمل حقيبتها على كتفها.
أما ماري، اقترَبتْ مِنها تُحاولُ قِراءةَ تَعابيرِها.
"هل نمتِ شيئًا؟"
هزّت رأسها نفيًا دون أن تنبس بكلمة.
في الفصل، لم تستطع سوزي التركيز في أيّ شيء، فصوت المعلّم بدا كصدى بعيدٍ.
أخرجت دفترَ ملاحظاتها، قلبت الصفحات بحثًا عن الورقة التي كانت تكتب فيها الليلة الماضية...
لكنّ شيئًا غير مألوف جذب انتباهَها.
صفحةٌ غريبة، مطويّة من المنتصف، تبدو غريبةً عن الدفتر.
امتدّت يدُها لفتحها...
كانت هناك كلماتُ... بخطٍّ لم تعرفه، حروفٌ داكنة كانّها قد كُتبت بقلم فحم، لا حبرًا.
الجُمل تصف لحظاتٍ مرّت بها وحدَها...
"عند الساعة الثالثة والربع، وضعتِ كتابك على الطاولة، وتركتِ كوب الماء نصف ممتلئ بجانب الحافة."
"في الرابعة إلا خمس دقائق، خرجتِ من الغرفة بعد أن ألقيتِ نظرة على الهاتف... الذي لم تتجرّئي على فتحه."
توقفت عند السطر الأخير...
"أنا معكِ الآن... انظري خلفك."
ابتلعت ريقها بصعوبة... ماذا؟ هل تنظر؟
يداها ترتجفان، تطوي الصفحة بسرعة، وتدسها بين بقية الأوراق بعنف، تخشى أن يخرج منها شيءٌ حيّ.
أجبرت نفسها على التنفّس ببطء، بينما تسترق النظر حولها.
"ماذا الآن؟ هل جُننت؟!"
"سوزي؟" نادتها ماري، حين لاحظت شرودَها الغريب، لكنها لم تُجب...
لم تَستطع، البوحَ دون أن ترتجف الكلماتُ على شفتيها.
اكتفت بتمرير أصابعها فوق حافة الدفتر، تتحسّسها. لم تعد تميّز... أهذا الواقع، أم الخيال؟
مرّت الحصص ثقيلة، وبعد انتهاء اليوم، اجتمعتا عند باحة المدرسة الخلفية، حيث اعتادتا الهروب من صخبِ الطلاب.
أخبرَتْ ماري بكلِّ ما حدَثَ منذ ذهابِهِم لحذفِ التطبيقِ .
عنِ الرسائلِ، والصُّوَرِ، وأخيرًا ما حدَثَ اليومَ في الفَصْلِ، وماري تستمعُ لها بذُهولٍ؛ لكنَّها لم تتوقَّع كلَّ هذا حتى أنّها اقْترحَت عليها المبيتَ مَعَها لكن سوزي رَفضت.
"هل ما زلتِ مصمّمة على العودة إلى البيت؟"
سألت ماري بنبرةٍ فيها مزيج من الحذر والقلق.
"لن أهرب من بيتي..."
أومأت ماري بتردد، ثم قالت: "لن أدعكِ تعودين وحدك."
******
في المساء...
عادت الفتاتان معًا إلى منزل سوزي.
حين وقفت أمام باب شقتها، أخرجت المفتاح بيدٍ مرتجفة، بينما ماري كانت تُراقب الممر خلفها، تَتخيل ظهورَ شيءٍ ما من العدم.
دخلت ماري أولًا تتفحّص المكان كما يفعل رجال الشرطة في مسرح جريمة.
كلّ شيء بدا كما تركته قبل خروجها.
وقفت سوزي عند المدخل، بتردد، ثم دلفت إلى الداخل.
وضعت حقيبتها على الأريكة، قبل أن تتحرّك نحو المطبخ وهناك....
الأرضُ تجمّدت تحت قدميها، كانت تُحدّق في الفرن...
عيناها الواسعتان لا تطرفان، وجبينُها يقطرُ عرقًا باردًا، بينما أنفاسُها تتباطأ... تخشى أن يسمعها ما في الداخل.
"سوزي؟"
اقتربت ماري، ووضَعت يدَها على كتفِ صديقتِها برفق، مُحاوِلَةً سحبَها إلى الخلف.
"ما بكِ؟ إلى ماذا تنظرين؟"
شفتاها تحركتا ببطءٍ شديد، ثم تمتمت بصوتٍ هامس مرتجف:
"كان هناك شخص... داخل الفرن."
"ماذا؟!"
"لا أعلم... كأنّ عيونًا تُراقبني... من خلف الزجاج... ثم اختفت."
لم تفكّر ماري كثيرًا، مدّت يدها ببطءٍ نحو مقبض باب الفرن، تُراقب الفراغ داخل الفرن قبل فتحه...
وفجأة، سُمع طرقٌ خفيف ،ثم تلاه صوتٌ ثانٍ... وثالث.
تراجعت ماري فورًا، ووقفت أمام سوزي تُحاول إبعادها:
"سوزي... لنخرج من هنا الأن !"
وقبل أن تتحركا... دقّ جرسُ الباب.
تجمّدت الفتاتان، عيونهما تتّسعان بدهشةٍ وخوفٍ في آنٍ واحد.
ثم، وببطء... انفتح الباب.
—————
ملاحظات ؟ ✨✨