RH

Share to Social Media

كانتِ السيدةُ كارلا، والدةُ سوزي، قد عادت من رحلةِ عملٍ طويلة.
عملُها في شركةٍ سياحيةٍ يجعلها كثيرةَ السفر خارجَ المدينة، وقد أخبرتْ ابنتَها بموعدِ عودتِها منذ أيام، لكنها — وسطَ كلِّ هذا الرُّعب — نسيتْ تمامًا.

عندما دخلتِ الأُمّ، ألقتْ معطفَها على حافةِ الأريكة، ونظرتْ إلى الفتاتين بنظرةٍ مُستنكرة؛ كانتا متسمّرتين في مكانِهما.
«ماذا بكما؟! وكأنكما رأيتُما شبحًا!»
ضحكتْ بخفّةٍ وهي تضع حقيبتَها على الأرض، ثم تابعت:
«ظننتُكما ستقفزان فرحاً لرؤيتي...! لكن يبدو أنني كنتُ مخطئة.»
قالتْها بعبوسٍ مُصطنع.
تبادلتْ سوزي وماري نظراتٍ سريعة، ثم حاولتْ كلتاهما الابتسامَ بشكلٍ مُتكلَّف.
«مرحبًا أمي... آسفة، لم أكن منتبهة.»
«لا بأس، لا بأس.»
اقتربتِ الأُمّ منهما، وقبّلتْ جبينَ سوزي، ثم التفتتْ إلى ماري قائلةً:
«تفضّلي، لا تكوني خجولة! سأُعِدُّ لكما كوبين من الشاي، الجوُّ باردٌ اليوم.»

جلستِ الأُمّ على الأريكة، وبدأتْ تروي لهما تفاصيلَ رحلتِها الأخيرة، عن مدينةِ البحر الجميلة التي زارتْها، وعن سوقِ التُّحف الذي أعجبَها كثيرًا، وكيف كادتْ تشتري تمثالًا خشبيًّا يشبه التماثيلَ الفرعونية، لولا خوفُها من كونه مسكونًا — قالتْها مازحة.
ابتسمتْ سوزي على مضض، ووضعتْ يديها فوق ركبتيها، تُفكّر في كلِّ ما حدث خلال الأيام الماضية.
نظرتْ إلى والدتِها...
كانتْ تريد أن تُخبرَها، أن تحكيَ لها عن كلِّ شيء: الصُّور، الأصوات، الفُرن...
لكن حين همّتْ بفتحِ فمِها، شعرتْ بيدِ ماري تمسكُ معصَمها برفق، وتضغطُ عليه.
نظرتْ إلى ماري، فوجدتْ نظرةً حازمةً في عينيها، تقول لها:
«ليس الآن... لا تُقلقيها.»
سحبتْ سوزي أنفاسًا متردّدة، ثم اكتفتْ بالصمت، وأومأتْ برأسِها.
«هل أنتما بخيرٍ فعلًا؟»
سألتِ الأُمّ بعد أن لاحظتْ توتّرَهما.
«نعم، فقط متعبتان من الدراسة...»
«أفهم... الدراسةُ أحيانًا أكثرُ إرهاقًا من العمل!»
ضحكتِ الأُمّ ثانية، ثم نهضتْ لتُعِدَّ لهما شيئًا يأكلانِه.
******

مدينةٌ مجاورة... مكانٌ غيرُ معلوم

«أيُّها الطبيب... لقد اسْتَيْقَظَتْ.»

في تلك الغرفة التي لا يُسمَعُ فيها سوى ذلك الصوت المنتظم، كنبضِ ساعةٍ مُعلّقةٍ بين الحياة والموت، يُخبر الجميعَ بأن ذلك القلب ما زال مُصرًّا على البقاء، مُتمسّكًا بالحياة.
كان الصمتُ يملأ المكان، وحده صوتُ جهازِ المراقبة يقطعُ السكون، بثوانٍ تتردّد كأنها دقّاتٌ قاسية، تقيسُ ما تبقّى من عمرٍ لا تعرف صاحبتُه إن كانتْ تريده.
فتحتْ عينيها بوَهَن....
بدتْ أجفانُها ثقيلة، تنسحبُ ببطءٍ عن عينيها الهاربتين من الظلام، وتُزيحُ عن نفسها عبءَ نومٍ طويل... أو عبءَ حياةٍ لا تتذكّرُها.

لونٌ أبيضُ باهتٌ ملأ رؤيتَها...
سقفٌ مُعتمُ الضوء، أنابيب، أسلاك... رائحةُ المُعقّمات ممزوجةٌ بطعمِ الحديد العالقِ في حلقِها.
وبين كل ذالك لمحتْ شَفَقًا أبيضَ يغمرُ السقفَ فوقَها، حدّقتْ فيه قليلًا بنظرةٍ مُشوَّشة، تتبعُ تلك الخطوطَ الباهتة، تبحثُ عن معنى لوجودِها هنا.
همستْ بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها الجافتين:
«أ... أين أنا؟»
بحركةٍ بطيئة، حاولتْ أن تلتفتَ برأسِها إلى اليمين، علّها تُدركُ أين هي...
لكن بدلَ أن تجدَ إجابة، تسلّلتْ إلى رأسِها تلك الصُّور...
شريطٌ مُشوَّهٌ من الذكريات، صورٌ مُبعثرة، كأنّه شريطٌ ممزّقٌ يُعادُ تجميعُه قسرًا.
المقهى...
الشاشةُ السوداء...
الهروبُ بلا اتجاه...
ضوءُ سيارةٍ مُسرعة...
ثمّ، كالصاعقة...
لمعتْ تلك الكلمة في عقلِها...
واضحةً، وباردةً كحدِّ السكين:
مارك.
شعرتْ بقشعريرةٍ باردةٍ تزحفُ على جلدِها، رغم حرارةِ الغرفة.
تسارعتْ ضرباتُ قلبِها...
جسدُها أدركَ قبل عقلِها.
شهقتْ، لكن الألمَ قيّدَ حركتَها.
يدُها لم تستطع رفعَها.
شيءٌ ما كان يُثبّتُها...
ولأوّل مرة، فهمت:
هي على قيدِ الحياة، نعم...
لكن إلى أين تنتمي الآن؟
ومن تركها حيّة... ولماذا؟
———————
كيف هو الفصل ؟ ✨
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.