«هل استطعتِ النومَ جيدًا الليلة الماضية؟»
سألتْ ماري بترددٍ تعبث بأطراف أصابعها في قلقٍ واضح.
أجابتْ سوزي بصوتٍ منخفض، في محاولةٍ لتبدو مطمئنة، رغم الشحوب الذي لم يغادر وجهَها:
«نعم... وجود أمي في المنزل أشعرني بشيءٍ من الأمان.»
توقفتْ للحظةٍ تحاول إقناع نفسها قبل ماري، ثم أضافت بعد زفرةٍ طويلة:
«قليلًا فقط...»
أومأتْ ماري برأسها ببطء، لكن عينيها ظلّتْ معلّقتين على وجه صديقتها، تبحث فيه عن ذلك البريق القديم الذي اختفى مؤخرًا.
«هذا جيد...»
صمتت فجأة، تحرّك عيناها بتردد ،
تزن كلماتها بعناية، قبل أن تقول:
«في الحقيقة... هناك شيء يجب أن أخبرك به.»
رفعتْ سوزي نظرها نحوها وحدّقت فيها باستغراب:
«ماذا هناك؟»
ترددتْ ماري للحظة أخرى، ثم قالت بسرعة،
تنتزعُ الكلمات من فمها خوفًا من تراجعها:
«أعتقد... أعتقد أنك تهلوسين يا سوزي.»
قالتها بلهجةٍ دفاعية مرتبكة، وكأنها تحاول حماية نفسها من الشعور بالذنب، فهي في النهاية تتحدث عن صديقتها الأقرب، الشخص الذي لطالما عرفتها قويةً لا تتزعزع.
أخفضتْ ماري عينيها، لا تحتمل رؤية أثر كلماتها على وجه سوزي، وتابعت بنبرة أكثر حذرًا:
«لقد تغيّرتِ كثيرًا في الفترة الأخيرة... أصبحتِ دائمه الشرود ، تحدقين في الفراغ كأن هناك شيئًا... لكن لا يوجد شيء يا سوزي.»
توقفت عن الكلام ، تتأمل كيف تنكمش ملامح صديقتها أمامها، ثم أردفت بصوتٍ منخفض مليء بالحزن:
«أنا رأيتُ ذلك بعيني... كيف تنكمشين كلما اهتزّ هاتفك، وكيف تنظرين حولك وكأنك تترقبين شيئًا مخيفًا سيحدث.»
أغلقت سوزي عينيها للحظة، تحاول كبح موجةٍ من التعب والانفعال، ثم فتحتها ونظرت مباشرةً إلى ماري: «ماري... هل فقدتِ صوابك؟!»
قالتها بنبرةٍ عاتبة...
خفَت صوتها، وانكسر وهي تُضيف:
«لقد أخبرتك بما أمرّ به... بما يُثقل صدري... لجأت إليكِ لتساعديني، لا لتتهميني بالجنون!»
شعرتْ ماري بوخز الألم في قلبها، اقتربت خطوةً منها، ومدّت يدها لتقبض على يد سوزي المرتجفة:
«لا... لا، لم أقصد هذا أبدًا!»
قالتها بعجلة، ثم هدأت قليلًا وهي تضغط على يدها برفق:
«أنا فقط... لا أحب رؤيتك بهذا الشكل. أنتِ صديقتي الوحيدة، سوزي... لا أستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي وأنا أشاهدك تنهارين شيئًا فشيئًا.»
ارتجف صوتها قليلًا، لكنها تابعت، محاولةً أن تبدو أكثر صلابة مما تشعر به:
«أريد أن أراك كما كنتِ... سوزي التي أعرفها، الفتاة المغامِرة التي تضحك كثيرًا، ولا تخشى شيئًا... أين ذهبت تلك الفتاة؟»
ثم مالت برأسها قليلًا، وهمست بنبرةٍ أكثر لطفًا ورجاء:
«ساعِديني لأُساعِدَك...»
كانت الكلمات تخرج ببطء، كأنها دعاء أكثر من كونها طلبًا.
«إذاً... ماذا أفعل يا ماري؟»
قالتها سوزي بصوتٍ متهدّج، الكلمات تخرج منها مثقلةً بعبءٍ لا يُحتمل.
«أنا... أشعر بالضياع...
كل ليلة، شيء ما ينهش صدري، ولا يتركني أنام... ذلك الارتجاف الذي لا ينتهي، ذلك الشعور وكأن قلبي يتوقف مع كل رسالة تصلني...»
توقفت للحظة، تُحاول السيطرة على ارتعاشة صوتها، ثم تابعت بنبرةٍ أكثر انكسارًا:
«هناك شعور دائم يلازمني... كأن... كأن أحدًا يراقبني، يراقب كل حركة أقوم بها... ولكن لا شيء مؤكد، لا شيء ملموس أتمسك به... فقط هذا الخوف، وهذا التيه، وهذا الصمت الموحش...»
أنهت جملتها، تسقطت دموعها بصمت، وقد تخلّت عن عنادها أخيرًا، وسمحت لذلك الضعف بالظهور.
نظرت ماري إليها للحظات، وعيناها تلمعان بقلقٍ حقيقي... لم تكن تعرف كيف تحتمل رؤية سوزي بهذا الانكسار، تلك الفتاة التي لطالما عرفتها قويةً.
مدّت يدها ببطء، قابضتاً على يديها المرتجفتين برفق، وقالت بصوتٍ خافت لكنه حازم:
«سوزي... استمعي إليّ.»
صمتت للحظة، تبحث عن الكلمات الصحيحة، ثم تابعت:
«أنتِ لستِ وحدَكِ في هذا... أنا هنا، وسأبقى هنا.
قد لا أفهم تمامًا ما تمرّين به... وربما أخاف ممّا أسمعه...
لكنّني صديقتُكِ، وسأبقى كذلك مهما حدث.»
ابتلعت ريقها، ثم أردفت بنبرةٍ رجاء:
«ساعديني فقط... ساعديني لأساعدك. لا تغرقي وحدك في هذا الظلام، دعي يدك في يدي... ولن أدعك تسقطين.»
رفعت سوزي عينيها ببطء، وفي أعماقهما بريقٌ خافت، خليطٌ بين الرجاء والخذلان، قبل أن تهمس بصوتٍ لم تسمعه ماري :
«أخشى أن يكون الأوان قد فات يا ماري... أخشى أنني ضعت فعلًا.»
«شكرًا لكِ يا صديقتي... شكرًا.»
قالتها بصوتٍ خافت،
كلماتها لم تكن كافية لتصف ما تعيشه من شعور.
أغمضت عينيها للحظة، تاركة زفيرًا طويلاً يهرب من صدرها، كأنها ولأول مرة تتنفس حقًا.
******
مرّ يومان على عودة كارلا، والدة سوزي، إلى المنزل.
كان الهدوء يخيم على المنزل كدرعٍ هشّ، يخفي تحته جراحًا لم تلتئم. بدأت سوزي تستعيد بعضًا من اتزانها، على الأقل أمام والدتها. ولكنها في قرارةِ نفسها كانت تعلم أن هذا السلام لن يدوم.
ورغم محاولات ماري للتقرب منها في تلك الليالي، شعرت سوزي بأن الكلمات لم تعد تكفي. حتى حديث ماري الأخير، الذي ترك أثرًا طفيفًا من الدفء، بدأ يتلاشى كأثرِ نَفسٍ على زجاجٍ بارد.
******
صباح اليوم الثالث، استيقظت لتكتشف أن كارلا ذهبت في رحلة عمل أخرى، تاركة وراءها فراغًا أكثر ظلمة مما عهدت. عادت الوحشة القديمة لتتسلل عبر الجدران، تبث في المكان صقيعًا يصعب احتماله.
جاء الليل ثقيلًا، كما لم يكن من قبل.
جلست على سريرها، تحتضن نفسها وسط صمتٍ خانق، حتى دوى في أرجاء الغرفة صوت تنبيهٍ من هاتفها.
ثوانٍ مرت... بدا فيها الصدى كطرقاتٍ على بابٍ مغلق.
أخذت الهاتف بيدٍ مرتجفة
، فتحت الرسالة لتجد صورة لها...
واقفاً في مطبخ المنزل...
لكن هناك، خلفها في الصورة، شيء...
بل كيان، ظلٌ باهت... عين باردة، تحدق فيها من داخل الإطار، وتخترقها بنظرةٍ جامدة...
تصاعدت ضربات قلبها، كُل ضربة كأنها خنجرٌ يُغرز في صدرها...
سقط الهاتف...
تراجعت خطوة...
ثم أخرى... الهواء لم يعد يصلُ إلى رئتيها.
عينيها لا تزالان معلقتين بذلك المشهد.
فذلك الكيان لم يعد خوفًا داخليًا... بل أصبح واقعًا مرئيًا.
في تلك اللحظة أدركت سوزي، وسط دموعها، أن لا شيء من ذلك الهدوء كان حقيقيًا، لقد كانت مهلةً فقط.
لم يعد هناك ملاذ... لم يعد هناك مَفر سوى مواجهة ما يترصدها في الظلال.
—————
كيف هو الفصل.؟ ✨✨✨