صفعت الرياح أبواب السيارة الرباعية بعنف، بينما كانت عجلاتها تغوص في الرمال الناعمة قرب الحدود الصحراوية الشمالية. الليل كان كثيفًا إلى درجة جعلت السماء تبدو كقطعة قماش سوداء بلا نجوم، إلا من ضوء خافت يتراقص بعيدًا بين الكثبان.
شدّ الرقيب علي قبضته على المقود وقال بصوت متوتر:
"أقسم أنني رأيت الضوء هنا قبل دقائق."
لم يجبه الرجل الجالس بجواره. كان المفتش عمر يحدق عبر الزجاج الأمامي بعينين ثابتتين، كأنهما تبحثان عن شيء لا يراه الآخرون.
أطفأ سيجارته ببطء ثم قال:
"أوقف السيارة."
توقفت المركبة وسط الصحراء، وعمّ الصمت.
صمت ثقيل… مخيف.
حتى الريح بدت وكأنها توقفت للحظة.
فتح عمر الباب ونزل إلى الرمال. برد الليل الصحراوي كان حادًا، لكن شيئًا آخر جعله يشعر بالقشعريرة.
كان عمر رجل في الاربعين من العمر، قوي البني، ذات طول 185 سم. اسمر البشرة ذو لحية خفيفة.
رائحة. رائحة بارود.
رفع مصباحه اليدوي وبدأ يتقدم ببطء بين الكثبان، بينما تبعه علي بخطوات مترددة.
"ربما مجرد صيادين…" تمتم علي.
لكن عمر لم يقتنع.
منذ ثلاثة أسابيع والشرطة تتلقى تقارير غامضة عن شاحنات تظهر ليلًا في عمق الصحراء ثم تختفي بلا أثر. لا لوحات. لا أسماء. ولا شهود مستعدين للكلام.
بعض رجال الاستخبارات تحدثوا همسًا عن شبكة تهريب سلاح دولية. والبعض الآخر اعتبر الأمر مجرد إشاعات بدوية.
أما عمر… فكان يشعر أن هناك شيئًا أكبر يتحرك تحت الرمال.
فجأة توقف..سلط ضوءه نحو الأرض..آثار عجلات عميقة،حديثة.
جثا على ركبته يلمس الرمل بأصابعه، ثم قال بهدوء:
"مرت من هنا قبل أقل من ساعة."
اتسعت عينا علي.
"إلى أين تتجه؟"
أشار عمر نحو الجنوب.
"داخل الصحراء."
سارا خلف الآثار عدة أمتار حتى لمح علي شيئًا معدنيًا نصف مدفون تحت الرمل.
انحنى والتقطه بسرعة. كانت طلقة فارغة، لكنها لم تكن عادية.
أخذها عمر منه وتأمل النقش الصغير عليها، ثم تغيرت ملامحه للحظة قصيرة.
"ماذا هناك؟"
لم يجب فورًا.
مرر إصبعه فوق الحروف الروسية المحفورة على الظرف المعدني.
ثم قال بصوت منخفض:
"هذه ليست ذخيرة تُباع هنا."
هبّت الرياح مجددًا، حاملة معها صوتًا بعيدًا يشبه هدير محرك.
التفت الاثنان بسرعة.
وفي أعلى الكثيب البعيد… ظهر ضوءان أبيضان للحظة، ثم اختفيا فجأة.
ركض عمر نحو التلة الرملية، بينما تبعه علي وهو يلهث..وصلا إلى القمة…
لكن لم يكن هناك شيء..فقط آثار إطارات كثيرة تمتد نحو قلب الصحراء.
وفجأة لمح عمر شيئًا آخر..جسدًا ملقى قرب الصخور السوداء.
تجمد علي في مكانه..أما عمر فتقدم بحذر، ويده تقترب من مسدسه.
كان الرجل ممددًا على ظهره، ووجهه مغطى بالغبار والدماء. ملابسه العسكرية ممزقة، وعلى صدره ثقب أسود صغير.
رصاصة واحدة، دقيقة، احترافية.
انحنى عمر يتفحص الجثة، ثم شد انتباهه شيء قرب اليد اليمنى للرجل.
كانت قطعة قماش صغيرة ممزقة، حمراء، وعليها رسم غريب يشبه رأس دب أبيض.
همس علي:
"من يكون هذا؟"
لكن عمر كان ينظر إلى شيء آخر..إلى يد القتيل.
لقد كانت أصابعه منقبضة بقوة حول جهاز إرسال صغير محطم.
ضغط عمر زر التشغيل، فصدر تشويش متقطع…
ثم انطلق صوت مشوش بلكنة روسية:
"... الشحنة وصلت… الطريق آمن… تخلصوا من—"
وانقطع التسجيل فجأة، وساد الصمت..صمت أثقل من الصحراء نفسها.
رفع عمر رأسه ببطء نحو الظلام الممتد أمامه.
كان يشعر أن هذه الليلة ليست بداية قضية عادية..بل بداية حرب خفية… تجري تحت الرمال.
وفجأة دوّى صوت إطلاق نار حاد من بعيد..رصاصة اخترقت الرمال قرب قدم علي مباشرة.
صرخ الأخير وارتمى أرضًا. أما عمر فاستدار بسرعة، محاولًا تحديد مصدر الطلقة وسط العتمة…
ثم لمح ظلًا يقف فوق أحد الكثبان البعيدة..رجل طويل يرتدي معطفًا أسود، يراقبهما.
ولثانية واحدة فقط…انعكس ضوء القمر على بندقيته، ثم اختفى الرجل داخل الظلام.