انبطح علي خلف الصخور وهو يلهث بعنف.
"من أين جاءت الطلقة؟!"
لكن المفتش عمر لم يجب.
كانت عيناه تتحركان بسرعة فوق الكثبان المظلمة، يحاول التقاط أي حركة وسط العاصفة الرملية الخفيفة التي بدأت تشتد. ثم دوّى صوت رصاصة ثانية، ارتطم الحجر قرب رأس عمر وتناثر الغبار.
صرخ علي:
"علينا الانسحاب!"
لكن عمر كان قد أخرج مسدسه بالفعل..ثبت نظره نحو التلة البعيدة حيث ظهر الظل قبل لحظات.
لا شيء، اختفى الرجل تمامًا.
قال عمر بهدوء بارد:
"القناص لا يريد قتلنا."
نظر إليه علي بدهشة.
"ماذا؟!"
"لو أراد ذلك… لكنا موتى الآن."
ساد الصمت للحظة، ثم أضاف عمر:
"إنه يحذرنا."
خفض علي رأسه وهو يزداد توترًا.
في تلك اللحظة عاد صوت المحرك البعيد مجددًا… لكنه كان يبتعد هذه المرة.
نهض عمر بسرعة.
"إلى السيارة."
بعد ساعة…
كانت أضواء مركز شرطة الحدود تلمع وسط الظلام الصحراوي مثل جزيرة صغيرة معزولة.
دخل عمر غرفة التحقيق وهو يحمل الطلقة الروسية وجهاز الإرسال المحطم داخل كيس الأدلة.
كان العقيد ياسر ينتظره بوجه متجهم. كان رجل خمسيني عريض الكتفين و طويل القامة، أسمر البشرة.
وهو لا يحب المفاجآت..وما حدث الليلة كان أسوأ أنواع المفاجآت.
قال العقيد:
"وجدتم جثة مجهولة في الصحراء، وتعرضتم لإطلاق نار، وتقول إن هناك تهريب سلاح روسي؟"
وضع عمر الطلقة فوق الطاولة.
"هذه ليست شائعة."
أخذها العقيد مترددًا، ثم تغيرت ملامحه قليلًا عندما رأى النقش الروسي.
"من أين حصلت عليها؟"
"كانت قرب الجثة."
تنهد العقيد ببطء.
ثم قال بصوت منخفض:
"قبل شهر اختفت شاحنة عسكرية قرب الحدود… القيادة قالت إنها حادثة عادية."
رفع عمر نظره نحوه.
"وأنت لم تصدق."
لم يجب العقيد مباشرة.
وهذا وحده كان كافيًا.
في مشرحة المدينة الصغيرة، وقف عمر يتأمل الجثة تحت الضوء الأبيض البارد.
الطبيب الشرعي، الدكتور أحمد، كان يفحص الرصاصة المستخرجة من صدر القتيل.
قال وهو يخلع قفازيه:
"الطلقة احترافية جدًا… قناص محترف على الأغلب."
"هل تعرف هوية القتيل؟"
هز الطبيب رأسه.
"لا أوراق. لا هاتف. لا بصمات مسجلة."
ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف:
"لكن هناك شيء غريب."
اقترب عمر، فرفع الطبيب يد القتيل وأشار إلى وشم صغير خلف المعصم.
رأس دب أبيض..نفس الرمز الموجود على قطعة القماش.
شعر عمر بأن الصورة بدأت تتشكل ببطء..عصابة منظمة..ليست مجرد مجموعة مهربين.
قال الطبيب:
"وهناك أمر آخر…"
فتح درجًا معدنيًا صغيرًا وأخرج منه قطعة معدنية دقيقة للغاية، كانت شريحة إلكترونية محترقة.
ضاقت عينا عمر.
"وجدتها داخل حذائه."
"شريحة تتبع؟"
"أو وسيلة تخزين."
أخذها عمر بحذر.
ثم قال:
"أريد فحصها فورًا."
في صباح اليوم التالي، بدأت الشائعات تنتشر داخل المدينة الحدودية، حيث الناس يتحدثون همسًا عن إطلاق النار
في الصحراء..عن الشاحنات السوداء، وعن رجال غرباء شوهدوا قرب الميناء القديم.
جلس عمر داخل مكتبه يراجع ملفات الاختفاءات القديمة، بينما كان علي يقلب صور الأقمار الصناعية.
قال علي:
"هناك شيء لا أفهمه."
"ماذا؟"
"إذا كانت عصابة تهريب… لماذا تستخدم الصحراء بدل الطرق البحرية؟"
كان علي شاب في الخامسة والعشرون من العمر طويل القامة ذو جسم عضلي قوي. ذو شعر اسود
وبشرة سوداء. حاد الملاحظة وسريع التفكير.
رفع عمر عينيه عن الملف.
ثم قال:
"لأن أحدًا يراقب البحر."
ساد الصمت.
ثم أضاف:
"لكن الصحراء… واسعة بما يكفي لإخفاء جيش كامل."
رن الهاتف فجأة..رفع عمر السماعة.
جاءه صوت خشن متوتر:
"إذا كنت تريد معرفة الحقيقة… اذهب إلى المخزن رقم سبعة في الميناء القديم."
"من أنت؟"
لكن الخط انقطع فورًا.
تبادل عمر وعلي النظرات.
وقال علي:
"فخ؟"
أجاب عمر وهو ينهض:
"غالبًا."
ثم حمل مسدسه.
"لكننا سنذهب."
كان الميناء القديم مهجورًا منذ سنوات.
الرافعات الصدئة تقف كالهياكل العظمية قرب الماء الأسود، بينما تصدر الأبواب المعدنية أصواتًا مزعجة مع الرياح.
اقترب عمر وعلي بحذر من المخزن رقم سبعة..الباب كان نصف مفتوح، وهذا لم يعجب عمر أبدًا.
ثم أشار لعلي بالتراجع قليلًا، ثم دفع الباب ببطء..صرير طويل اخترق الصمت..الداخل كان مظلمًا، وباردًا.
كان رائحة الزيت والصدأ تملأ المكان.
رفع عمر مصباحه اليدوي…فتوقفت أنفاس علي فجأة.
في منتصف المخزن كانت توجد عشرات الصناديق الخشبية الكبيرة،وعلى أحدها… نفس رمز الدب الأبيض.
اقترب عمر بحذر، ثم فتح أحد الصناديق.
اتسعت عيناه فورًا، أسلحة، بنادق هجومية جديدة تمامًا، وصناديق ذخيرة روسية.
همس علي بصدمة:
"يا إلهي…"
لكن عمر لم يكن ينظر إلى الأسلحة، بل إلى شيء آخر داخل الصندوق. وجد خريطة مطوية للصحراء.
وعليها عدة خطوط حمراء تقود إلى نقطة محددة في عمق الحدود، وفوقها كُتبت كلمة واحدة باللغة الروسية:
"المرحلة الثانية"
وفجأة…انطفأت أضواء المخزن بالكامل.
ثم سُمع صوت إغلاق الباب الحديدي خلفهما بعنف.. وفي الظلام…
انطلق صوت رجل بلكنة روسية باردة:
"المفتش عمر… لقد اقتربت أكثر مما ينبغي."