تجمد علي في مكانه داخل الظلام.
أما المفتش عمر فبقي ثابتًا، وعيناه تتحركان بهدوء محاولتين تحديد مصدر الصوت الروسي.
قال الرجل المجهول ببطء:
"كنت أذكى مما توقعنا… لكن الفضول يقتل أحيانًا."
ثم دوى صوت معدني حاد..صوت سلاح يُجهز للإطلاق.
أمسك علي بمسدسه بسرعة وهمس:
"إنهم هنا…"
لكن عمر رفع يده طالبًا الصمت.
كان يسمع شيئًا آخر..خطوات، عدة أشخاص يتحركون بين الصناديق.
أطفأ مصباحه فورًا، وغرق المخزن في ظلام كامل..مرت ثوانٍ ثقيلة…
ثم همس عمر:
"حين أقول الآن… اركض نحو اليمين."
ابتلع علي ريقه بصعوبة. وفجأة انطلقت رصاصة مزقت الهواء.
صرخ عمر:
"الآن!"
اندفع الاثنان بين الصناديق بينما دوى إطلاق النار في أنحاء المخزن، فتناثرت الشظايا الخشبية،
وتحطمت المصابيح القديمة فوق السقف. ركض عمر بسرعة حتى لمح نافذة جانبية مكسورة.
دفع علي نحوها أولًا ثم قفز علي للخارج بعنف، ثم تبعه عمر قبل لحظة من انفجار رصاصة داخل الجدار
خلفه مباشرة..سقطا فوق الرصيف الحجري قرب الميناء، ثم سمعا أصوات رجال يركضون داخل المخزن.
لكنهم لم يخرجوا..كأنهم لا يريدون مطاردتهما خارجًا.
نهض عمر وهو يلهث قليلًا، ونظر نحو الباب الحديدي للمخزن.
ثم قال:
"إنهم لا يخافون الشرطة."
أجاب علي بقلق:
"بل واثقون أن أحدًا لن يقترب منهم."
في صباح اليوم التالي، أصبحت القضية أكثر تعقيدًا..الأسلحة اختفت.
حين عادت قوة الشرطة إلى المخزن رقم سبعة، لم يجدوا سوى صناديق فارغة وآثار إطارات حديثة.
قال العقيد ياسر بغضب:
"كيف اختفت شحنة كاملة خلال أقل من ساعة؟!"
لم يجب أحد..لكن عمر كان يعرف الإجابة..هناك من سرب تحركاتهم..شخص داخل الشرطة.
وقف قرب النافذة يتأمل الميناء البعيد، ثم قال:
"هم عرفوا أننا قادمون قبل وصولنا."
ساد الصمت داخل المكتب..كانت تلك الجملة أخطر من أي رصاصة.
بدأ عمر يراجع ملفات الضباط والعاملين في مركز الحدود..أسماء كثيرة..وجوه كثيرة.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه..اسم ضابط اختفى من الخدمة قبل شهرين.
النقيب أدهم..آخر مهمة له كانت مراقبة طرق الصحراء الشمالية..ومنذ ذلك الوقت… اختفى تمامًا.
قال علي وهو يقلب الملف:
"القيادة سجلت اختفاءه كاستقالة."
رفع عمر حاجبه.
"استقالة بلا طلب رسمي؟"
هز علي رأسه..ثم أضاف:
"والأغرب… لا أحد يريد الحديث عنه."
أغلق عمر الملف ببطء، وهنا بدأ الشك الحقيقي.
في المساء، توجه عمر إلى حي قديم قرب أطراف المدينة. كان مكان مليء بالمقاهي المظلمة والوجوه المتعبة.
كان يبحث عن رجل يُدعى عثمان. مهرّب سابق يعرف طرق الصحراء أكثر من أي شخص آخر.
دخل عمر المقهى الشعبي وسط دخان الشيشة والأصوات الخافتة، وبمجرد دخوله… ساد الصمت للحظة.
الجميع عرفه.
جلس عثمان في الزاوية الخلفية، بعينين حادتين ولحية رمادية قصيرة.
قال دون أن ينظر إليه:
"الشرطة لا تزورني إلا عندما تكون خائفة."
جلس عمر أمامه.
"وأنت لا تختبئ إلا عندما تكون مذنبًا."
ابتسم عثمان ابتسامة صغيرة، ثم أشعل سيجارة وقال:
"سمعت عن عصابة الدب الأبيض."
تغيرت نظرة عمر فورًا.
"ماذا تعرف؟"
اقترب عثمان قليلًا وخفض صوته:
"ليسوا مجرد مهربين… الروس الذين تتبعهم كانوا جنودًا سابقين."
"مرتزقة؟"
"أسوأ."
أخذ نفسًا طويلًا من سيجارته.
"هؤلاء لا يهربون السلاح فقط… هم يصنعون الحروب."
شعر عمر بثقل الكلمات.
ثم سأل:
"ومن يقودهم؟"
صمت عثمان للحظة، ولأول مرة بدا عليه التوتر.
"رجل يُدعى فلاديمير."
الاسم كان باردًا… ثقيلًا.
تابع عثمان:
"لا أحد يرى وجهه الحقيقي. لكنه يسيطر على طرق الصحراء كلها."
ثم أضاف فجأة:
"وإذا كنت ذكيًا يا عمر… ابتعد عن هذه القضية."
"لماذا؟"
نظر عثمان مباشرة في عينيه وقال:
"لأن رجالًا أقوى منك اختفوا وهم يطاردون عصابة الدب الأبيض."
عند منتصف الليل، عاد عمر إلى شقته الصغيرة. لقد كانت المدينة هادئة بشكل مريب.
فتح الباب، ثم توقف فجأة..شيء ما كان خطأ..الغرفة مرتبة أكثر من المعتاد.
أغلق الباب ببطء، ويده تقترب من مسدسه، ثم لمحها..ورقة فوق الطاولة..تقدم بحذر ورفعها.
كُتبت عليها جملة قصيرة بالعربية الركيكة:
"توقف… أو ستكون التالي."
وفي أسفل الورقة…رسم صغير لرأس دب أبيض.
ضاقت عينا عمر، ثم سمع صوتًا خافتًا خلفه، استدار بسرعة رافعًا مسدسه…
لكن النافذة كانت تتحرك بفعل الريح فقط..اقترب بحذر، وعندما نظر إلى الشارع أسفل البناية…
رأى سيارة سوداء متوقفة في الظلام، وبجانبها رجل طويل يرتدي معطفًا أسود.
نفس الرجل الذي ظهر فوق الكثيب الصحراوي..كان يراقبه، ولثانية واحدة فقط…
رفع الرجل يده ببطء، كأنه يحييه، ثم دخل السيارة واختفى داخل الليل.
لكن عمر لم يكن ينظر إلى السيارة، بل إلى شيء أخطر..إلى الشخص الذي خرج من المقعد الخلفي
قبل أن تتحرك السيارة..شخص يعرفه جيدًا..العقيد ياسر.