بقي المفتش عمر واقفًا قرب النافذة لعدة ثوانٍ، وعيناه مثبتتان على الشارع الفارغ.
اختفت السيارة السوداء، لكن صورة العقيد ياسر وهو يخرج منها لم تختفِ من ذهنه.
هل كان يعمل مع العصابة؟ أم أنه يُراقبهم لسبب آخر؟
أغلق عمر الستارة ببطء، ثم أعاد النظر إلى الورقة التي تحمل شعار عصابة الدب الأبيض.
شيء واحد أصبح واضحًا..العصابة تعرف كل تحركاته، وربما… هناك خائن داخل الشرطة فعلًا.
في صباح اليوم التالي، دخل عمر مقر الشرطة وكأنه لم ير شيئًا.
كان العقيد ياسر داخل مكتبه يتحدث عبر الهاتف، وبدا هادئًا كعادته.
رفع رأسه عندما دخل عمر.
"هل حدث شيء جديد؟"
راقبه عمر لثوانٍ قبل أن يجيب:
"لا شيء مهم."
لكن داخله كان يقول العكس تمامًا، فاقترب ووضع ملفًا فوق الطاولة.
"وجدنا معلومات عن رجل يُدعى فلاديمير."
تغيرت ملامح العقيد للحظة قصيرة جدًا… لكنها لم تمر على عمر.
قال ياسر:
"اسم روسي؟"
"يبدو أنه يقود شبكة التهريب."
أشعل العقيد سيجارة ببطء.
ثم قال:
"القضية بدأت تكبر أكثر من اللازم."
"هذا سبب يجعلنا نقترب أكثر… لا أن نتراجع."
رفع العقيد نظره إليه مباشرة.
"أحيانًا التراجع يُبقيك حيًا يا عمر."
كانت الجملة عادية ظاهريًا…لكنها بدت كتحذير.
خرج عمر من المكتب وهو يشعر بثقل الشك، وفي الممر، اقترب منه علي بسرعة.
"هناك شيء عليك رؤيته."
"ماذا حدث؟"
ناولَه ملفًا صغيرًا.
"فحصنا الشريحة الإلكترونية التي وجدناها داخل حذاء القتيل."
فتح عمر الملف بسرعة، حيث كانت تحتوي على إحداثيات متعددة داخل الصحراء…
وصور مشفرة لشحنات أسلحة..لكن صورة واحدة جعلت قلبه يتوقف للحظة..شاحنة عسكرية تابعة للجيش.
تنقل صناديق تحمل شعار عصابة الدب الأبيض.
قال علي بذهول:
"هذا يعني أن العصابة لا تسرق الأسلحة فقط… هناك من يزوّدهم بها."
ضاقت عينا عمر.
القضية لم تعد مجرد تهريب، بل اختراق خطير من الداخل.
في المساء، توجه عمر وعلي إلى مستودع قديم قرب المنطقة الصناعية.
أحد الإحداثيات الموجودة في الشريحة قادتهما إلى هناك.
المكان بدا مهجورًا..النوافذ مكسورة، والجدران متآكلة بالرطوبة.
لكن عمر لاحظ شيئًا مهمًا..آثار عجلات حديثة.
همس:
"أحدهم ما زال يستخدم المكان."
أخرج مسدسه ودخل بحذر..كان المستودع مظلمًا وصامتًا بشكل مريب، ثم سمعا صوت ارتطام معدني في الداخل.
تبادل الاثنان النظرات بسرعة، وتقدما بين الصناديق الصدئة، وفجأة…ظهر رجل من خلف الظلال وركض
نحو الباب الخلفي.
صرخ علي:
"قف!"
لكن الرجل هرب بسرعة، فاندفع عمر خلفه عبر الممرات الضيقة حتى خرجا إلى ساحة خلفية مليئة
بالحاويات المعدنية.
كان الرجل سريعًا بشكل غير طبيعي..قفز فوق حاجز حديدي ثم اختفى بين الحاويات.
وصل عمر إلى الزاوية الأخيرة…وتوقف فجأة..لا أحد هناك..لكن شيئًا آخر كان موجودًا.
حقيبة سوداء صغيرة، فانحنى بحذر وفتحها. كان داخلها ملفات… وجوازات سفر مزيفة… ورزم دولارات.
وفي القاع…صورة قديمة باهتة..رفعها عمر ببطء..كانت صورة لثلاثة رجال يقفون في الصحراء.
أحدهم روسي ضخم يحمل وشم عصابة الدب الأبيض..الثاني رجل مجهول الوجه..أما الثالث…
فتجمد عمر عندما رآه.. النقيب أدهم، الضابط المختفي.
عاد عمر إلى مكتبه ليلًا، بينما كانت العاصفة الرملية تضرب نوافذ المركز.
ثبت الصورة أمامه وبدأ يراجع كل شيء من جديد..أدهم كان مرتبطًا بالعصابة.
لكن هل كان يعمل معهم… أم ضدهم؟ وفجأة خطر له سؤال أخطر. ماذا لو لم يكن اختفاؤه اختياريًا؟
رن الهاتف فجأة، فرفع السماعة بسرعة..لكن لم يكن هناك سوى صوت تنفس ثقيل.
ثم جاء صوت خافت ومشوش:
"إذا أردت العثور على أدهم… اذهب إلى محطة الوقود القديمة على طريق الصحراء."
"من أنت؟"
صمت قصير..ثم قال الصوت:
"قبل أن يقتلوه."
وانقطع الخط فورًا.
بعد أقل من ساعة، كانت سيارة عمر تشق الطريق الصحراوي وسط الرياح العنيفة.
جلس علي متوترًا وهو يراقب الظلام الممتد.
"أشعر أن هذا فخ."
أجاب عمر وهو يثبت نظره على الطريق:
"غالبًا."
"ومع ذلك جئنا."
"لأن أدهم قد يكون مفتاح كل شيء."
ظهرت محطة الوقود القديمة أخيرًا وسط العاصفة. كان مكان مهجور… نصف مدفون بالرمال.
أوقف عمر السيارة ونزل بحذر..كان الصمت مخيفًا..حتى الريح بدت كأنها تهمس بشيء غير مفهوم.
اقتربا من المبنى الرئيسي المظلم، ثم لمح علي أثر دماء قرب الباب. تسارع نبض عمر.
دخل الاثنان بسرعة، كانت رائحة الدم كانت قوية، وفوق الأرض…وجدوا رجلًا مقيدًا إلى كرسي.
رأسه منخفض، وملابسه ممزقة.
ركض عمر نحوه ورفع وجهه بعنف، واتسعت عيناه فورًا..النقيب أدهم.
كان حيًا…لكن بصعوبة.
رفع أدهم عينيه المتعبتين نحو عمر وهمس بكلمات متقطعة:
"إنهم… داخل الشرطة…"
ثم سعل دمًا، وأكمل بصوت مرتجف:
"فلاديمير ليس أخطر شخص في هذه القضية…"
اقترب عمر بسرعة.
"من إذًا؟!"
لكن قبل أن يجيب…دوّى انفجار هائل خارج المحطة، واهتزت الجدران بعنف.
ثم انطفأت الأنوار بالكامل.