قبض المفتش عمر على بطاقة الذاكرة بقوة بينما أضواء المصابيح تتحرك خارج الكهف كأعين مفترسة
تبحث عن فريستها.
أصوات الرجال الروس تقترب، والرصاص ما زال يرتطم بالصخور عند المدخل.
قال علي وهو يلهث:
"لن نصمد هنا طويلًا."
لكن عمر كان ينظر إلى الشعار الحكومي المحفور خلف البطاقة..شعار جهاز أمني سري
لا يعرف بوجوده سوى عدد محدود جدًا من الضباط الكبار، وهذا يعني شيئًا واحدًا فقط.
القضية وصلت إلى مستويات أخطر بكثير مما تصور.
رفع رأسه نحو أدهم.
"كيف وصلت هذه البطاقة إليك؟"
أجاب أدهم بصوت مرتجف:
"سرقتها."
"من مَن؟"
تردد للحظة.
ثم قال:
"من داخل مقر أمني في العاصمة."
ساد الصمت..حتى إطلاق النار بالخارج بدا بعيدًا للحظة.
قال عثمان بقلق:
"إذا كان ما يقوله صحيحًا… فنحن لا نحارب عصابة فقط."
أكمل عمر الجملة ببرود:
"بل جهة تحميها الدولة."
دوّى انفجار جديد قرب مدخل الكهف، فتساقطت الصخور الصغيرة فوق رؤوسهم.
ثم سُمع صوت الرجل الروسي مجددًا:
"آخر فرصة!"
اقترب عثمان بسرعة من الجدار الخلفي للكهف وأزاح قطعة صخرية كبيرة، فظهر ممر ضيق مظلم.
قال:
"هناك نفق قديم يقود إلى الوادي الشرقي."
نظر علي بدهشة.
"ولماذا لم تخبرنا من البداية؟"
ابتسم عثمان ابتسامة متعبة.
"كنت أحتفظ به ليوم سيئ… ويبدو أن اليوم قد جاء."
دخل الأربعة النفق بسرعة بينما بدأت أصوات المهاجمين تقتحم الكهف خلفهم. كان الممر ضيقًا ورطبًا
بشكل غريب وسط الصحراء، وكل خطوة داخله كانت تزيد شعور عمر بأنهم يدخلون قلب شيء أكبر وأخطر.
بعد مسير طويل، خرجوا أخيرًا قرب وادٍ صخري مهجور.
كانت السماء تقترب من الفجر، والريح الباردة تعصف بالرمال حولهم. جلس أدهم منهكًا فوق صخرة وهو يسعل بقوة.
اقترب منه عمر مجددًا.
"ابدأ من البداية."
رفع أدهم عينيه المتعبتين وقال:
"قبل شهرين… كُلّفت بمراقبة طرق التهريب في الصحراء."
أشعل عثمان سيجارة بصمت بينما تابع أدهم:
"في البداية ظننت أنها عصابة عادية… لكنني اكتشفت أن الشحنات تمر عبر نقاط تفتيش رسمية دون تفتيش."
قال علي:
"بأوامر من الداخل."
أومأ أدهم.
"ثم رأيت اسمًا داخل الملفات… اسم شخص يملك نفوذًا هائلًا."
اقترب عمر أكثر.
"من هو؟"
لكن أدهم صمت فجأة..نظر حوله بتوتر شديد، وكأنه يخاف من الهواء نفسه.
ثم قال بصوت خافت:
"لو قلت اسمه… لن نخرج أحياء."
في صباح اليوم التالي، عاد عمر سرًا إلى المدينة.
لم يعد يثق بأحد داخل المركز، وحتى العقيد ياسر لم يعد يعرف إن كان بريئًا أم لا.
استأجر غرفة صغيرة فوق متجر قديم بعيدًا عن الأنظار، ونقل أدهم إليها مع عثمان.
وطلب من طبيب بان يعالج أدهم، وطلب من مطعم بان يوصل لهم الافطار.
ثم جلس مع علي أمام حاسوب محمول لفحص بطاقة الذاكرة.
استغرق فك التشفير ساعات طويلة..وأخيرًا…ظهرت الملفات..صور شحنات.
خرائط طرق صحراوية، وتحويلات مالية بملايين الدولارات، ووأسماء ضباط ومسؤولين.
لكن شيئًا واحدًا جعل الدم يتجمد في عروق عمر..صورة التقطت بكاميرا مراقبة سرية.
ظهر فيها رجل يصافح فلاديمير داخل مستودع الأسلحة، ورغم أن الصورة كانت غير واضحة…
تعرف عمر على الوجه فورًا..اللواء حمزة الحسيني، أحد أهم القيادات الأمنية في البلاد.
قال علي بذهول:
"مستحيل…"
لكن عمر لم يجب..كان يعرف اللواء حمزة منذ سنوات، كان رجل مشهور بالنزاهة والانضباط.
أو هكذا بدا للجميع.
همس علي:
"إذا كان متورطًا… فهذا يفسر كل شيء."
لكن عمر لم يشعر بالارتياح، بل شعر بشيء أسوأ..الصورة بدت… سهلة أكثر من اللازم.
وكأن أحدهم يريدهم أن يروها.
في المساء، تلقى عمر رسالة مشفرة على هاتفه القديم..رقم مجهول.
"إذا أردت الحقيقة الكاملة… تعال وحدك إلى الميناء عند منتصف الليل."
نظر علي إليه فورًا.
"فخ واضح."
أجاب عمر بهدوء:
"نعم."
"وستذهب؟"
أغلق عمر الهاتف.
"بالطبع."
كان الميناء القديم أكثر ظلمة من المعتاد..الضباب البحري غطى الأرصفة المهجورة، وأصوات الأمواج
ارتطمت بالسفن الصدئة كأنها تحذير خافت.
تقدم عمر وحده بين الحاويات المعدنية، ويده قرب مسدسه.عيناه تتحركان في كل اتجاه.
ثم سمع صوتًا خلفه.
"كنت أعلم أنك ستأتي."
استدار بسرعة رافعًا سلاحه، وتجمد مكانه.
العقيد ياسر..كان يقف تحت ضوء أصفر خافت، ووجهه يبدو مرهقًا أكثر من المعتاد.
كان رجلا طويل القامة اسمر البشرة، في الخامسة والاربعين من العمر، ذو جسم عضلي رشيق.
قال عمر ببرود:
"أنت تعمل معهم؟"
تنهد ياسر ببطء.
"لو كنت أعمل معهم… لكنت ميتًا الآن."
لم يخفض عمر سلاحه، فاقترب ياسر خطوة وقال:
"هناك أمور لا تفهمها بعد."
"إذن اشرحها."
نظر ياسر حوله بحذر، ثم قال بصوت منخفض:
"اللواء حمزة ليس الخائن."
ضاقت عينا عمر.
"لكن لدينا صورة."
"صورة مزيفة."
توقف الزمن للحظة داخل رأس عمر، ثم أكمل ياسر:
"فلاديمير يريد دفعكم نحو الرجل الخطأ."
"لماذا؟"
رفع ياسر نظره نحوه وقال:
"لأن الخائن الحقيقي أقرب إليك مما تتخيل."
وفجأة…انطلقت رصاصة من أعلى الرافعات الحديدية، واخترقت صدر العقيد ياسر مباشرة.
تراجع الرجل للخلف بصدمة، بينما تناثر الدم فوق الأرض المبللة.
صرخ عمر:
"ياسر!"
أمسكه قبل أن يسقط، وكان العقيد يحاول التنفس بصعوبة، ثم أمسك بذراع عمر بقوة وهمس بكلمات متقطعة:
"الخائن… داخل… فريقك…"
اتسعت عينا عمر.
"من؟!"
لكن صوت الرصاصة الثانية دوّى فورًا، وأصابت العقيد في رأسه مباشرة، فسقط جسده بلا حراك.
أما القناص…فقد اختفى داخل الضباب.