ظل المفتش آدم يحدق في الشاشة.
التاريخ المكتوب بجانب عبارة "المرحلة الوسطى" كان بعد ثلاثة أيام فقط..لم يكن مجرد احتمال.
بل بدا وكأنه موعد محدد سلفًا..موعد لحدث خطير قادم..أغلق الملف ببطء.
ثم رفع نظره إلى أفراد فريقه.
وقال:
"من هذه اللحظة، القضية لم تعد تحقيقًا في جريمة قتل فقط."
ساد الصمت، وأضاف:
"نحن نحاول منع جريمة لم تقع بعد."
في صباح اليوم التالي بدأت غرفة العمليات تعمل بكامل طاقتها..تمت مراجعة جميع الملفات المرتبطة
بفيصل الرشيدي، وجميع الاتصالات التي أجراها خلال الأشهر الأخيرة، وجميع الأشخاص الذين ظهروا
في الصور والوثائق التي عُثر عليها. لكن كلما زادت المعلومات، ازدادت الأسئلة.
قالت مريم وهي تراجع البيانات:
"هناك شيء غريب."
اقترب آدم من مكتبها، فأشارت إلى الشاشة.
"كل الأشخاص المرتبطين بالقضية كانوا موجودين في المكان نفسه قبل سبع سنوات."
"أي مكان؟"
أجابت:
"مركز أبحاث مهجور في ضواحي المدينة."
انعقد حاجبا آدم..كان اسم المكان مألوفًا، وبحث سريع في الأرشيف كشف أن المركز أُغلق بعد حادث غامض
لم تُعرف تفاصيله كاملةن ومنذ ذلك الوقت تُرك مهجورًا.
بعد ساعات كان آدم وفريقه يقفون أمام المبنى.
بدا المكان كهيكل خرساني ضخم هجره الجميع منذ سنوات، كانت النوافذ محطمة، والأبواب متآكلة.
والصمت يملأ المكان.
دخلوا بحذر..كانت الممرات الطويلة غارقة في الظلام، وبين الحين والآخر كان صوت خطواتهم يتردد بين الجدران.
وصلوا إلى قاعة كبيرة في الطابق السفلي، وهناك توقف أحد الضباط فجأة.
وقال:
"سيدي..."
اتجه الجميع نحوه..كان يشير إلى الحائط..تقدم آدم، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
الرمز الأسود..مرسوم بحجم كبير على الجدار، وتحته عبارة مكتوبة بخط أحمر "البداية كانت هنا."
بدأ الفريق تفتيش المبنى بالكامل.
وفي إحدى الغرف المغلقة اكتشفوا أرشيفًا قديمًا. كانت معظم الملفات تالفة، لكن بعض الوثائق بقيت هاشمة.
أخذتها مريم بسرعة، وبدأت قراءتها..ثم رفعت رأسها بدهشة.
"آدم... عليك أن ترى هذا."
أخذ الوثيقة منها..كانت قائمة بأسماء أشخاص شاركوا في مشروع سري داخل المركز.
قرأ الأسماء واحدًا تلو الآخر..ثم توقف. كان اسم فيصل الرشيدي موجودًا، واسم عاصم الجاسم.
واسم سمير الحاتم. بل وحتى اسم العميد عباس الفاروق.
أصبحت الصلة بينهم حقيقة مؤكدة، لكن طبيعتها ما زالت مجهولة.
في طريق العودة، لم يتوقف عقل آدم عن التفكير..كان الجميع مرتبطين بالمركز نفسه.
وكل واحد منهم أصبح جزءًا من القضية بطريقة أو بأخرى، لكن السؤال الأهم ظل بلا إجابة.
ما الذي حدث داخل ذلك المركز قبل سبع سنوات؟
في المساء، وصل تقرير جديد من قسم التحليل الرقمي.
تمكن الفريق من فك جزء إضافي من الملفات المشفرة الموجودة على بطاقة الذاكرة.
احتوى الملف على تسجيل صوتي قصير..ضغط آدم زر التشغيلن فصدر صوت رجل متوتر.
"إذا وصلتم إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنهم بدأوا تنفيذ الخطة."
توقف التسجيل لثانية، ثم أكمل الرجل:
"أبو جهاد ليس الخطر الحقيقي."
تبادل الجميع النظرات..تابع الصوت:
"الخطر الحقيقي هو الشخص الذي يعمل معه من الداخل."
ثم انقطع التسجيل فجأة..ساد الصمت داخل الغرفة.
قال أحد الضباط:
"إذن هناك شخص داخل المؤسسة فعلًا."
أجاب آدم:
"نعم."
ثم أضاف:
"لكننا لا نعرف من هو."
في تلك الليلة، عاد آدم إلى منزله متأخرًا.
كان التعب واضحًا على وجهه..دخل المنزل وأغلق الباب، ثم اتجه نحو المطبخ، وفجأة لاحظ شيئًا غير طبيعي.
أحد الأدراج كان مفتوحًا..تجمد في مكانه..لم يكن قد تركه مفتوحًا..تحرك بحذر داخل المنزل، وتفقد الغرف
واحدة تلو الأخرى..لا أحد. لكن شخصًا ما كان هنا..شخص دخل المنزل وغادر دون أن يسرق شيئًا.
عاد إلى غرفة المعيشة، وهناك وجد ظرفًا أبيض فوق الطاولة..لم يكن موجودًا صباحًا، ففتح الظرف.
وجد بداخله صورة حديثة..صورة لفريق التحقيق بأكمله أثناء خروجهم من مقر الشرطة صباح ذلك اليوم.
وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة واحدة "أنتم متأخرون."
شعر آدم ببرودة في أطرافه، لكن المفاجأة الحقيقية كانت شيئًا آخر، ففي زاوية الصورة الخلفية ظهر رجل
يقف بعيدًا ويراقب الفريق، وعندما دقق آدم النظر في ملامحه، عرفه فورًا. كان سمير الحاتم.
الرجل الذي اختفى منذ ثلاث سنوات، والرجل الذي يفترض أن الجميع يبحث عنه، لكن الأمر الأكثر صدمة...
أنه كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا وكأنه يعلم مسبقًا أن آدم سيرى هذه الصورة.