الساعة 11:59. ماليكة واقفة قدام الباب المرسوم والدموع نازلة منها من غير صوت.
مسحت بإيدها على الفحم... الخط الأحمر مسح شوية بس رجع نور تاني أقوى. الدموع ما نفعتش. العهد المكسور مفيهوش رجوع.
خلاص يا ظل همست. لو طالع عشان تنتقم... يبقى أنا استاهل. جدتي حبستك، وأنا كسرت وعدها .
من الناحية التانية صوته كان هادي لأول مرة من ٤٧ سنة: وانتي مسحتي التراب من على مرايتي بإيدك يا ماليكة. وانتي الوحيدة اللي ما صرختيش لما شوفتيني.
الساعة دقت ١٢ .
الحيطة كلها اترجت. الفحم ساح ونزل زي الدم. والباب المرسوم اتفتح لبرا... بس مفيش أوضة وراه. مفيش غير سواد، وبرد، وصوت سلاسل بتقع واحدة ورا التانية.
الدخان الأسود طلع الأول ، وبعده ظل.
بس هو مش الولد اللي شافته من 7 سنين. ده راجل، شعره الأبيض نازل على كتافه، وجلابيته السودا مقطعة وعليها حروق. عينيه الصفرا طفت وبقت عين بني عادية... عين إنسان تعبان.
خطى برا الحيطة ورجليه لمست الأرض لأول مرة من ٤٧ سنة. وقع على ركبه.
ماليكة جريت عليه من غير تفكير وسندته. جسمه كان تلج بس قلبه بيدق.
بص لها وابتسم ابتسامة مكسورة: قولتي هتستاهلي لو انتقمت... بس أنا نسيت شكل الانتقام وأنا بعد السنين .
حط إيده على وشها. إيده خشنة ومليانة ندبات زي ندبة الباب اللي على كفها.
جدتك قالتلي : احميكي حتى لو من نفسي... وأنا وفيت. فضلت محبوس عشان اللعنة ما تاكلكيش. ودلوقتي الدين اتسدد .
ماليكة عيطت: بس انت ضيعت عمرك كله بسببي .
ظل هز راسه: لا.... أنا عيشت عمري كله عشانك. عشان اليوم اللي تقوليلي فيه ( ماليكة ) من غير خوف .
فجأة البيت كله نور أبيض قوي. صوت أمها من تحت: ماليكة!!
في إيه؟
النور قطع ورجع!!
ظل بص للسما من الشباك. جسمه بدأ يشف ويبقى دخان أبيض خفيف: وعد المردة دين يا ماليكة. وأنا سددته. دلوقتي... أنا حر .
ماليكة مسكت إيده جامد: لا !
ما تسيبنيش !
انت قلت هتحميني !
ظل باس كفها مكان الندبة. الندبة على شكل الباب اختفت واتحولت لهلال صغير أبيض: لسه بحميكي. المراية اتكسرت، والباب اتفتح، والحبسة خلصت. بس الوعد... الوعد هيفضل فيكي .
آخر كلمة قالها قبل ما يبقى كله دخان ويطير من الشباك: ( كل ما تشوفي الهلال ده في السما... اعرفي إني واقف بحرسك. من بعيد. عشان المردة الحر ما ينفعش يعيش مع البني آدمين... بس يقدر يموت عشانهم ).
الدخان اختفى. الحيطة السودا رجعت حيطة بيضا عادية. مفيش باب، مفيش فحم، مفيش أثر.
ماليكة وقعت على الأرض بتعيط. بس على كفها الهلال الأبيض بينور ويطفي مع كل نجمة تعدي في السما.
من يومها واللعنة انتهت. ماليكة كملت ٢٥ ، و٢٦ ، و٣٠ ... وأمها لسه عايشة.
وكل ليلة، ماليكة تطلع السطوح تبص للسما وتقول بصوت واطي: ( شكراً يا ظل ) .
والنجمة اللي شكلها هلال مقلوب... بتبرق لها رد .
النهاية