الساعة كانت 11:58 بالليل. البيت كله ضلمة إلا أوضة جدتها. أم ماليكة نايمة تحت على الكنبة ، ماسكة قلبها... الدكتور قال ضغطها عالي ،بس ماليكة عارفة... المراية.
ماليكة واقفة قدام المراية.
الشق الأحمر بقى قد كف الإيد .
الهلال المقلوب على كفها بقى هلال كامل بينور ويطفي مع دقات قلبها.
صوت ظل طلع من المراية من غير ما يظهر. دقيقة واحدة يا ماليكة. بعدها يا هبقى حر... يا هترجعي تقفلي عليا 40 سنة كمان .
ماليكة حطت إيدها على الشق. الإزاز كان بارد زي التلج. حست بحاجة بتشد روحها لجوا.
قولي اسمي ، همس ظل قولي ( ماليكة ) ثلاث مرات.
أول مرة الأغلال تفك... تاني مرة الباب يتفتح... تالت مرة... أنا أبقى بتاعك .
ماليكة غمضت عينيها. افتكرت عمتها فاطمة وهي بتموت فجأة وعندها ٢٤ سنة .
افتكرت أمها وهي بتقع دلوقتي ، افتكرت جدتها وهي بتكتب في الدفتر (يا يحموا بجنون، يا يدمروا بجنون) .
خدت نفس وقالت بصوت واطي (ماليكة).
الشق اتسع شوية. المراية كلها اترجت. صوت سلاسل بتتقطع من بعيد.
صوت أمها من تحت: ماليكة انتي بتعملي إيه؟!
صوتها ضعيف.
ماليكة دموعها نزلت. قالت التانية ( ماليكة ).
المراية اتشققت كلها زي شبكة عنكبوت. والدخان الأسود بدأ يطلع منها بغزارة. ريحة البخور اتحولت لعفن.
ظل طلع نصه من المراية. جلابيته السودا بقت متقطعة، وعينيه الصفرا فيها دموع نار. مد إيده ليها .
آخر مرة... قوليها وهنمشي من هنا.
أنا أوعدك أحميكي زي ما وعدت جدتك. بس المرادي بوعد كامل... من غير كلمة ناقصة .
ماليكة بصت لإيدها... الهلال الكامل بقى ساطع لدرجة يعمي ، وفي نفس اللحظة سمعت صوت أمها بتقع على الأرض ( آه يا قلبي ).
قلب ماليكة اتقطع.
جدتها حبست ظل عشان خافت على بناتها. ودلوقتي هي لو فكته... أمها ممكن تموت زيها زي الباقي. ولو سابته... هي هتموت لما تكمل الـ ٢٥ سنة.
رفعت إيدها التانية وحطتها على المراية الناحية السليمة. وبصت في عين ظل وقالت التالتة والأخيرة (ماليكة... )
بس مش ليك .
قبل ما تكمل الكلمة، خبطت كفها اللي عليه الهلال على المراية كلها بقوتها.
( طااخ )
المراية انفجرت لميت قطعة. صرخة ظل ملت البيت: لا.... . !!
بس الصرخة اتقلبت دعاء. كل قطعة إزاز طارت في الأوضة وغرست نفسها في الحيطة، وكل قطعة كان مرسوم عليها هلال.
النور الأحمر اختفى. الدخان اتسحب لجوا الشق اللي أتقفل لوحده. وظل... اتسحب للداخل وهو بيبص لماليكة بدهشة: انتي... انتي كسرتي العهد بدل ما تكمليه؟!
آخر حاجة سمعتها ماليكة قبل ما تغمى عليها ( اللعنة اتكسرت... بس التمن...)
صحيت الصبح لقت نفسها في سريرها. أمها قاعدة جنبها بتعيط وبتحضنها: قومتي يا روحي؟
الدكتور قال قلبك وقف ثانيتين ورجع تاني لوحده .
ماليكة بصت لإيدها. الهلال اختفى. بس مكانها بقى فيه ندبة صغيرة على شكل باب مقفول.
وراحت بصت على أوضة جدتها... المراية كلها بقت حيطة سودا، وفي نصها رسمة باب خشب مرسومة بالفحم. وجدتها كانت تحتها كاتبة بخطها من سنين ومحدش شافها:
( لا تفتح هذا الباب... إلا لو لقيتي اللي يستاهل تموتي عشانه )