لم ينم المفتش نعمان تلك الليلة.
كانت الصورة التي وصلته قبل ساعات موضوعة أمامه على المكتب.
عباس مراد..الشاهد الذي ادعى أنه ضحية، الرجل الذي زعم أن العصابة اختطفته، يجلس بهدوء إلى جانب
أحد أفراد عصابة الثعبان.
للمرة الأولى منذ بداية القضية بدأ نعمان يشك في كل شيء، وكل شخص.
في صباح اليوم التالي استدعى نعمان عباس إلى غرفة التحقيق.
دخل الرجل بهدوء، لكن ملامحه تغيرت عندما رأى الصورة موضوعة على الطاولة.
جلس بصمت.
ثم قال:
"من أين حصلتم عليها؟"
أجاب نعمان:
"هذا ليس السؤال المهم."
دفع الصورة نحوه.
"ما تفسيرك؟"
نظر عباس إليها طويلاً..ثم تنهد.
"كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي."
ساد الصمت..قال ناصر بحدة
"إذن كنت تكذب علينا."
هز عباس رأسه.
"لا."
"إذن اشرح."
رفع عباس عينيه نحو نعمان.
"الرجل الذي ترونه في الصورة ليس صديقي..إنه الشخص الذي احتجزني."
تبادل نعمان وناصر النظرات.
واصل عباس حديثه.
"بعد هروبي اضطررت إلى التواصل معه مرة أخرى."
"لماذا؟"
"لأنه الوحيد الذي كان يستطيع إيصال رسائلي إلى زعيم الثعبان."
عبس نعمان.
"ولماذا تريد التواصل مع العصابة أصلًا؟"
أجاب عباس:
"لأنني كنت أحاول شراء حياتي."
ساد الصمت داخل الغرفة..لم تكن الإجابة مقنعة بالكامل، لكنها لم تكن مستحيلة أيضًا.
بعد انتهاء التحقيق بقيت الشكوك قائمة..لا يوجد دليل يثبت براءة عباس، ولا دليل يثبت إدانته.
وهذا ما أزعج نعمان أكثر من أي شيء آخر.
في الوقت نفسه كان فريق المراقبة يتابع الرائد يوسف نبيل.
الضابط الذي ظهر اسمه في ملفات طارق الربيعي، وخلال الأيام الماضية لم يرتكب أي خطأ.
بدا مثالياً، منضبطًا، وهادئًا، حذرًا.
قال ناصر:
"إذا كان خائنًا فهو محترف للغاية."
أجاب نعمان:
"أو أنه بريء بالفعل."
وفي تلك الليلة حدث تطور جديد.
وصل تقرير من وحدة الجرائم المالية، حيث تمكن الخبراء أخيرًا من فك جزء من شبكة التحويلات
المالية المرتبطة بالعصابة، واكتشفوا أن معظم الأموال كانت تمر عبر حساب واحد سري.
حساب لم يكن باسم نعيم الزيدي، ولا باسم أي فرد معروف من العصابة،بل باسم مؤسسة خيرية
صغيرة تدعى "مؤسسة الهبة للتنمية."
قال ناصر بدهشة:
"مؤسسة خيرية؟"
أومأ نعمان.
"وهذا يجعلها غطاءً مثالياً."
بدأ التحقيق في المؤسسة، وكانت المفاجأة أن مديرها شخص يحظى باحترام واسع في المدينة.
الدكتور فيصل البحراوي..رجل أعمال معروف بأعماله الخيرية، وصاحب سمعة ممتازة.
قال ناصر:
"هذا لا يبدو منطقيًا."
أجاب نعمان:
"كثير من المجرمين يبدون غير منطقيين حتى تُكشف الحقيقة."
لكن المفاجأة الأكبر جاءت في اليوم التالي.
أثناء مراجعة ملفات المؤسسة، اكتشف الفريق صورة قديمة التُقطت قبل سنوات، وكان فيها ثلاثة أشخاص
يقفون معًا. الدكتور فيصل البحراوي، نعيم الزيدي، وطارق الربيعي.
نظر نعمان إلى الصورة طويلًا.
"هؤلاء الثلاثة مرتبطون ببعضهم منذ سنوات..قبل ظهور العصابة بوقت طويل."
بدأت قطع اللغز تتحرك من جديد، لكنها لم تتجه نحو الوضوح، بل نحو مزيد من التعقيد.
فكلما ظهر اسم جديد عاد ليرتبط بالأسماء القديمة، وكأن الجميع جزء من شبكة واحدة ضخمة.
في مساء ذلك اليوم تلقى نعمان اتصالًا عاجلًا.
كانت دورية الشرطة المكلفة بحماية عباس مراد.
قال الضابط عبر الهاتف:
"سيدي، لدينا مشكلة."
"ماذا حدث؟"
"عباس اختفى."
وقف نعمان فورًا.
"كيف؟"
"لا نعرف."
"كان داخل الشقة قبل نصف ساعة، وعندما دخلنا وجدناه قد غادر."
"هل ترك شيئًا؟"
ساد الصمت للحظة..ثم قال الضابط:
"نعم، وجدنا رسالة."
بعد دقائق كان نعمان يقرأ الرسالة بنفسه.
كانت مكتوبة بخط يد عباس، وجاء فيها
"إذا كنتم تقرأون هذه الكلمات، فهذا يعني أنني ذهبت لأفعل ما كان يجب أن أفعله منذ عام."
"لا تبحثوا عني، ابحثوا عن الرجل الذي لا يشك فيه أحد."
وتحت الرسالة ظهر اسم واحد فقط، الدكتور فيصل البحراوي.
ساد الصمت في المكتب..ثم قال ناصر:
"هل يحاول تضليلنا؟"
أجاب نعمان:
"لا أعلم."
"هل نثق به؟"
"لا أعلم."
"هل نلاحق الدكتور فيصل؟"
نظر نعمان إلى الرسالة مرة أخرى..ثم قال
"نعم، لكن بحذر شديد."
وفي الليلة نفسها بدأت الشرطة مراقبة منزل الدكتور فيصل البحراوي.
وبعد ساعات من الانتظار حدث شيء غير متوقع، خرج الدكتور من منزله، وركب سيارته، واتجه خارج المدينة.
تبعه فريق المراقبة سرًا، حتى وصل إلى مزرعة معزولة وسط الصحراء..مكان لا علاقة له بأي نشاط خيري.
أرسل الضابط موقعه إلى نعمان، ثم اقترب أكثر لالتقاط الصور، لكن فجأة انقطع الاتصال.
تجمد نعمان..حاول الاتصال به..لا رد..مرة..مرتين..ثلاث مرات..لا شيء.
وبعد عشر دقائق فقط وصل إشعار جديد إلى هاتفه.
صورة واحدة، التقطت للتو، أظهرت الضابط المفقود جالسًا على الأرض مقيد اليدين، وخلفه وقف رجل
مجهول يرتدي قناع الثعبان الأسود، وفي أسفل الصورة كتبت عبارة قصيرة
"لقد بدأ العد التنازلي.".