ظل المفتش نعمان يحدق في الصورة التي وصلت إلى هاتفه.
الضابط المختطف مقيد اليدين، ورجل مجهول يرتدي قناع الثعبان يقف خلفه، وفي الأسفل عبارة قصيرة
"لقد بدأ العد التنازلي."
لم يكن هذا مجرد تهديد، بل إعلان حرب.
بعد دقائق كانت غرفة العمليات تعج بالضباط.
عُرضت الصورة على شاشة كبيرة، وبدأ الخبراء تحليل كل تفصيلة فيها.
قال أحد الفنيين
"هناك شيء غريب."
اقترب نعمان.
"ماذا وجدت؟"
أشار الفني إلى زاوية الصورة.
"هذه العلامة."
كبر الصورة عدة مرات..ظهرت لوحة معدنية صدئة تحمل رقماً جزئياً.66-B
ثم ظهرت خلفها أجزاء من معدات زراعية قديمة.
قال ناصر:
"المزرعة التي ذهب إليها الدكتور فيصل؟"
هز الخبير رأسه.
"لا."
"هذه الصورة التقطت في مكان آخر."
بدأ فريق البحث بمراجعة المستودعات والمزارع المهجورة.
وبعد ساعات من العمل المتواصل توصلوا إلى نتيجة محتملة..مستودع قديم قرب محطة قطارات مهجورة
خارج المدينة، وكان يحمل الرمز نفسه.66-B
انطلقت قوة خاصة بقيادة نعمان نحو الموقع.
كان المكان مهجورًا منذ سنوات، وأبوابه مغطاة بالصدأ. لكن آثار الإطارات الحديثة كانت واضحة على الأرض.
قال نعمان:
"إنهم هنا."
دخلت القوة بحذر، وانتشرت بين المباني المتداعية.
ساد الصمت..ثم سُمع صوت خافت..أنين.
ركض نعمان نحو المصدر، وفي إحدى الغرف وجدوا الضابط المختطف. كان مرهقًا لكنه حي.
أسرع المسعفون نحوه، وسأله نعمان
"أين هم؟"
أجاب بصعوبة:
"غادروا قبل دقائق."
"هل رأيت أحدًا؟"
هز رأسه.
"كانوا يرتدون أقنعة، لكنني سمعت اسمًا تكرر أكثر من مرة."
اقترب نعمان.
"ما هو؟"
همس الضابط:
"الشبح."
عاد الفريق إلى الإدارة ومعهم معلومة جديدة.
"الشبح."
لم يكن اسمًا موجودًا في أي ملف سابق، ولا في أي تقرير استخباراتي.
قال ناصر:
"ربما يكون لقب زعيم العصابة."
أجاب نعمان:
"أو الشخص الذي يديرها من الخلف."
وفي تلك الأثناء كانت مراقبة الدكتور فيصل مستمرة.
لكن المفاجأة أن تحركاته بدت طبيعية تمامًا، اجتماعات خيرية، وزيارات رسمية، مناسبات عامة.
لا شيء يربطه مباشرة بالعصابة.
بدأ الشك يتسلل مجددًا..هل كان عباس يحاول تضليلهم؟
في مساء اليوم التالي وصلت نتيجة تحليل جديدة من الذاكرة الإلكترونية التي تركها طارق.
كان أحد الملفات مشفرًا ولم يتمكن الخبراء من فتحه سابقًا، أما الآن فقد نجحوا أخيرًا.
فتح نعمان الملف بنفسه، وظهرت قائمة تواريخ وأسماء، لكن اسماً واحداً تكرر أكثر من غيره.
"فيصل البحراوي."
شعر ناصر بالحماس.
"إذن عباس كان صادقًا."
لكن نعمان لم يرد..كان يقرأ السطر الأخير في الملف، وتغيرت ملامحه فجأة.
سأل ناصر:
"ماذا هناك؟"
أدار الشاشة نحوه، وفي أسفل الملف ظهرت جملة كتبها طارق بنفسه
"إذا وصلت إلى هذه المرحلة من التحقيق، فتذكر أن فيصل ليس الشبح."
ساد الصمت..بدأت القضية تتشعب من جديد..نعيم الزيدي ليس الزعيم..فيصل البحراوي ليس الزعيم.
فمن يكون الشبح؟
في اليوم التالي حدث أمر غير متوقع.
دخل أحد الضباط إلى مكتب نعمان حاملاً تقريرًا عاجلًا.
قال:
"سيدي، عثرنا على سيارة طارق الربيعي."
وقف نعمان فورًا.
"أين؟"
"قرب الوادي الشرقي."
توجه الفريق إلى الموقع.
كانت السيارة متروكة بين الأشجار، وبدا أنها موجودة هناك منذ أيام.
بدأت عملية التفتيش، وبينما كان نعمان يتفقد المقعد الخلفي، وجد ظرفًا مخفيًا تحت أحد الأغطية.
فتح الظرف بحذر، فوجد بداخله صورة قديمة، التقطت قبل أكثر من عشر سنوات، وظهر فيها أربعة رجال
يقفون أمام شركة المجد، نعيم الزيدي، طارق الربيعي، الدكتور فيصل البحراوي، ورجل رابع.
تجمد نعمان.
لقد رأى هذا الوجه من قبل، لكنه لم يتذكر أين..أخذ الصورة معه، وعاد إلى الإدارة.
جلس ساعات يراجع الملفات القديمة.
ثم فجأة توقف، اتسعت عيناه، لقد تذكر..كان الرجل الرابع ضابط شرطة سابقًا، اسمه
غسان البدوي، اختفى من الحياة العامة منذ سنوات طويلة بعد استقالته المفاجئة.
بدأ نعمان يقرأ ملفه..كل صفحة كانت أكثر إثارة من سابقتها، تحقيقات خاصة، قضايا فساد، وعلاقات واسعة
مع رجال الأعمال..ثم جاءت المفاجأة الكبرى.
آخر وظيفة شغلها قبل الاستقالة كانت في القسم نفسه الذي يعمل فيه الرائد يوسف نبيل حاليًا، وقبل أن يتمكن نعمان
من استيعاب الأمر، رن هاتفه..فرفع السماعة، وجاءه صوت مألوف..صوت المرأة الغامضة، ولكن هذه المرة
كان أكثر توترًا.
قالت بسرعة:
"لم يعد لدي وقت."
"من أنتِ؟"
"هذا لا يهم."
"إذن ماذا يهم؟"
ساد الصمت لثانية، ثم قالت:
"إذا أردت أن تعرف هوية الشبح... ابحث عن غسان البدوي."
شعر نعمان بتسارع نبضات قلبه..لكن المرأة لم تنهِ كلامها بعد.
أضافت بصوت مرتجف
"أسرع..لقد عرفوا أنني أتحدث معك."
ثم سُمع صوت ارتطام قوي، وصراخ مكتوم، وانقطع الخط.
بقي نعمان ممسكًا بالهاتف..كان يشعر أن الحقيقة أصبحت قريبة جدًا.
لكن شخصًا ما كان يزيل الشهود واحدًا تلو الآخر قبل أن يتمكنوا من الكلام.