DeshaElpop

Share to Social Media

استيقظ مصطفى على صوت المنبّه، لكن لم يكن الصوت هو ما أيقظه فعلًا…
كان الشعور.
ذلك الثقل الذي يجلس فوق صدره كل صباح، كأنه حجر لا يتحرك. فتح عينيه ببطء، فدخل ضوء الصباح الشاحب من بين ستائر غرفته نصف المغلقة. الغرفة كانت مبعثرة؛ كتب على الأرض، ملابس فوق الكرسي، وسرير غير مرتب يعكس فوضى داخله أكثر مما يعكس فوضى المكان.
ظلّ محدقًا في السقف لثوانٍ طويلة.
"كل يوم… نفس الإحساس."
جلس على طرف السرير، كتفاه منحنـيتان، وكأنه يحمل فوقهما عمرًا أثقل من سنواته. لم يكن يعلم تحديدًا متى بدأ يشعر بذلك، لكنه أصبح جزءًا منه… مثل ظل لا يفارقه.
من خلف الباب جاء صوت أمه، دافئًا ومعتادًا:
"يا مصطفى! الفطار جاهز!"
أغمض عينيه لحظة قبل أن يرد بصوت خافت:
"حاضر…"
نزل إلى المطبخ بخطوات بطيئة. كانت المائدة ممتلئة كعادتها؛ أمه تضع الأطباق، أخواته الثلاث يتحدثن عن المدرسة، وأبوه يجلس في صدر الطاولة، صامتًا، يراقب.
جلس مصطفى دون أن ينطق بكلمة.
الأصوات من حوله بدت بعيدة، كأنها تأتي من خلف زجاج سميك. ضحكات خفيفة، حوار عابر، صوت الملاعق على الأطباق… لكن داخله كان صامتًا.
رفع الأب عينيه فجأة نحوه.
"نتيجتك ظهرت؟"
تجمدت يد مصطفى فوق الكوب.
"آه…"
"وجايب كام؟"
تردد للحظة.
"أقل من المتوقع."
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
ثم فجأة—
ضرب الأب الطاولة بقبضته، فاهتزت الأطباق.
"إنت فاشل!"
ترددت الكلمة في أذنيه، لا مرة واحدة… بل مرات.
فاشل.
فاشل.
فاشل.
لم يسمع ما قيل بعدها. لم يرَ نظرات أمه القلقة، ولا صمت أخواته المفاجئ. كل ما بقي هو تلك الكلمة، تدور داخل رأسه بلا توقف.
بعد ساعة، كانوا جميعًا في السيارة. المطر بدأ يهطل بغزارة، وقطراته تنزلق على الزجاج كأنها سباق بلا نهاية. جلس مصطفى في المقعد الخلفي، ينظر عبر النافذة. انعكاس وجهه اختلط بالمطر، فلم يعد يعرف هل ما يراه هو صورته… أم شخصًا آخر.
"يمكن فعلًا أنا فاشل."
همس بها داخله، كاعتراف لا يريد أحد أن يسمعه.
المطر ازداد.
السماء أظلمت.
والطريق بدا أطول من المعتاد.
وفجأة—
ضوء أبيض ساطع ملأ كل شيء.
صوت احتكاك حاد.
صرخة.
ثم صمت.
في لحظة، تباطأ الزمن.
شظايا الزجاج تطفو في الهواء كنجوم متناثرة. الأصوات اختفت، وكأن العالم قرر أن يحبس أنفاسه.
ثم… لا شيء.
عندما فتح عينيه، لم يكن هناك مطر.
لا سيارة.
لا أصوات.
فقط… بياض.
مساحة لا نهائية، بلا سماء ولا أرض، بلا حدود. وقف وحده في ذلك الفراغ، وصدى أنفاسه هو الصوت الوحيد الذي يسمعه.
"فين أنا؟"
جاءه صوت خافت، كهمس بعيد… لكنه بدا وكأنه يخرج من داخله:
"دي… ساحة عقلك."
تجمد مكانه.
"لو فضلت تصدقهم… عمرك ما هتعرف حقيقتك."
نظر حوله، لكن لم يكن هناك أحد.
فقط هو… وصدى أفكاره.
ولأول مرة في حياته، أدرك أن المعركة الحقيقية لم تكن في المدرسة…
ولا في البيت…
بل هنا.
داخل عقله.
1 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.