البياض لم يكن مجرد لون.
كان صمتًا كثيفًا… يبتلع أي إحساس بالوقت.
وقف مصطفى في المساحة اللانهائية، يحاول أن يستوعب ما يحدث. لا جدران، لا أرض واضحة، ومع ذلك كان واقفًا. لا سماء فوقه، لكن الضوء يأتي من كل اتجاه.
ابتلع ريقه.
"دي ساحة عقلك."
الصوت عاد مرة أخرى. هذه المرة أوضح… أقرب.
لفّ حول نفسه بسرعة.
"مين هناك؟!"
لم يجبه أحد.
لكن الأرض — إن كانت أرضًا — بدأت تهتز بخفة.
البياض من أمامه تموّج، كأن شيئًا يحاول الخروج منه.
ثم ظهر… ظل.
لم يكن له ملامح واضحة. مجرد هيئة بشرية سوداء، أطول منه قليلًا، حوافه تتشقق كالدخان. عيونه فقط كانت واضحة… فراغين أبيضين يحدقان فيه بلا رمش.
تراجع مصطفى خطوة للخلف.
"إنت مين؟"
تحرك الظل ببطء. صوته لم يخرج من فمه… بل تردد في رأس مصطفى مباشرة.
"أنا اللي بتسمعه كل يوم."
سرت قشعريرة في جسده.
"أنا الكلمة… اللي صدقتها."
تجمد.
"فاشل."
الكلمة لم تكن مجرد صوت.
كانت قوة ضغطت على صدره فجأة، فسقط على ركبتيه.
بدأت الأرض البيضاء تتشقق من تحته، وظهرت مشاهد حوله كأنها شظايا مرايا ضخمة.
في واحدة منها، رأى نفسه في الفصل الدراسي، ينظر لورقة امتحان مليئة بالدرجات المنخفضة.
في أخرى، رأى أباه يشيح بوجهه عنه.
وفي ثالثة، رأى انعكاسه في المرآة… بعينين خاليتين من الأمل.
"شايف؟"
همس الظل.
"دي حقيقتك."
ضغط مصطفى على أذنيه بيديه.
"اسكت!"
لكن الصوت لم يتوقف.
بل زاد وضوحًا.
"إنت أضعف من إنك تغيّر حاجة."
"عمرك ما هتكون كفاية."
"الناس كلها متقدمة… وإنت واقف مكانك."
بدأت الشظايا تدور حوله بسرعة، والمشاهد تتكرر، والكلمات تتداخل حتى أصبحت ضوضاء لا تطاق.
صرخ.
"كفاية!"
وفجأة—
توقف كل شيء.
سقطت الشظايا أرضًا واختفت.
الظل توقف عن الحركة.
مصطفى كان يلهث، يحدق في الأرض.
لكنه أدرك شيئًا.
الصوت… لم يكن يأتي من الخارج.
رفع رأسه ببطء.
"إنت مش حقيقي."
ابتسم الظل.
ابتسامة مشوهة.
"أنا أكتر حاجة حقيقية فيك."
نهض مصطفى، رغم أن ساقيه كانتا ترتجفان.
"لأ… إنت بس فكرة."
قالها بصوت أضعف مما أراد، لكنه لم يتراجع.
للحظة، اهتز شكل الظل.
تشققت حوافه، كما لو أن كلماته أصابته.
"من غيري… إنت ولا حاجة."
رد الظل، لكن صوته لم يعد ثابتًا كما كان.
نظر مصطفى حوله.
البياض بدأ يتغير.
خطوط سوداء رفيعة بدأت ترسم حدودًا على الأرض، كأن ساحة قتال تتشكل.
فهم.
هذه ليست نهاية.
هذه بداية المواجهة.
رفع رأسه بثبات أكبر.
"لو دي ساحة عقلي…"
قالها وهو يحدق في الظل مباشرة.
"يبقى أنا اللي أقرر مين يعيش فيها."
لأول مرة، لم يتحرك الظل فورًا.
الهواء — إن كان هواء — أصبح أثقل.
الضوء خفت قليلًا.
ثم اندفع الظل نحوه بسرعة غير طبيعية.
وقبل أن يلمسه بلحظة—
ظهر نور خافت في صدر مصطفى.
تجمد الزمن.