اختفى رقم "29 سنة" من السماء ببطء.
وساد صمت ثقيل.
لم يمنحه الظل وقتًا ليستريح.
"السنة التانية…"
قال بصوت أعمق من المعتاد،
"أصعب."
لم تتغير الساحة تدريجيًا هذه المرة.
بل انهارت.
وتحوّلت إلى بيت يعرفه جيدًا.
جدران مألوفة.
رائحة طعام.
صوت تلفاز في الخلفية.
البيت.
كان يقف في منتصف الصالة.
وسمعها.
"إنت ناوي تعمل إيه في حياتك يا مصطفى؟"
صوت والده.
هادئ… لكنه محمّل بثقل السنين.
وقفت والدته في الخلفية، لا تتكلم، لكن عينيها مليئة بالقلق.
المشهد كان واقعيًا لدرجة موجعة.
"أنا بحاول."
قال مصطفى.
الكلمة خرجت ضعيفة.
"بتحاول إزاي؟"
رد الصوت.
"الناس اللي في سنك اشتغلت. سافرت. نجحت."
بدأ قلبه يدق أسرع.
الكلمات لم تكن صراخًا.
لكنها كانت أثقل من الصراخ.
ظهر الظل خلفه.
لم يتدخل.
فقط راقب.
"هم شايفينك إيه دلوقتي؟"
همس.
بلع مصطفى ريقه.
فاشل.
الكلمة خرجت داخله قبل أن ينطقها.
وفجأة—
تغيرت الجدران.
الكلمة "فاشل" كُتبت على كل حائط.
كبيرة.
سوداء.
تتكرر.
أدار رأسه بسرعة.
"هم ما قالوش كده!"
صرخ.
الظل اقترب.
"بس إنت سمعتها."
توقف.
فكر.
فعلاً…
لم يقلها أحد حرفيًا.
لكن كل مقارنة…
كل سؤال…
كل نظرة قلق…
كان يترجمها داخله إلى:
أنا مخيب أمل.
اهتزت الأرض تحته.
البيت بدأ يتشقق.
"إنت بتشوف خوفهم على إنه حكم."
قال الظل.
"بتشوف قلقهم على إنه إدانة."
بدأت مشاهد تظهر في الهواء:
والده جالس وحده يفكر في مستقبله.
والدته تدعو له في صمت.
حديث بينهما ليلاً عن قلقهم عليه… لا عن خجلهم منه.
لم يكونوا أعداء.
كانوا خائفين.
كما هو خائف.
سقطت كلمة "فاشل" من على الجدران واحدة تلو الأخرى.
تحولت إلى غبار.
وقف مصطفى وسط الركام.
يتنفس بصعوبة.
"أنا مش فاشل…"
قالها هذه المرة بصوت مسموع.
الأرض توقفت عن الاهتزاز.
نظر إلى الظل.
"أنا بس… تايه."
لأول مرة، لم يكن في صوت الظل برود.
"والتايه مش معناه ضعيف."
قال بهدوء.
المشهد بدأ يذوب.
البيت اختفى.
عادت ساحة العقل.
الهواء كان أثقل من السنة الأولى.
لكن مصطفى كان واقفًا بثبات أكبر.
في السماء، تغيّر الرقم:
28 سنة.
انتهت السنة الثانية.
لم يتغير العالم الخارجي.
لكن شيئًا داخله انكسر…
صورة قديمة عن نفسه.
نظر إلى الظل وسأله:
"هفضل أسمع الصوت ده؟"
رد الظل:
"هتفضل تسمعه…
بس مش هتصدقه دايمًا."
وقف مصطفى يحدق في الأفق.
لو كانت السنة الثانية بهذه القوة…
فماذا تخبئ له السنوات القادمة؟
والأهم—
هل سيبقى الظل مرشدًا…
أم سيتحول لخصم؟