Qaed

Share to Social Media

ظل المفتش عمر جاثيًا بجوار جثة العقيد ياسر لعدة ثوانٍ، بينما امتزج صوت الأمواج بصفير الريح الباردة داخل الميناء المهجور.
الدم ينتشر ببطء فوق الأرض المعدنية، والكلمات الأخيرة ما زالت تتردد داخل رأسه:
"الخائن… داخل فريقك…"
رفع عمر رأسه بسرعة نحو الرافعات الحديدية، لكن القناص اختفى، كالعادة.
نهض وهو يقبض على مسدسه بقوة، وعيناه تمتلئان بالغضب..هذه لم تعد مجرد قضية تهريب.
بل حرب خفية تُقتل فيها الحقيقة قبل أن تُقال.
بعد ساعة، فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا حول الميناء.
لكن عمر لم يخبر أحدًا بالحقيقة كاملة، حتى علي.
وقف الرقيب قرب سيارة الإسعاف وهو يراقب نقل جثة العقيد.
قال بصوت متوتر:
"هل قال لك شيئًا قبل أن يموت؟"
تردد عمر للحظة.
ثم أجاب:
"لا شيء واضح."
راقب علي بصمت، ولأول مرة منذ بداية القضية… شعر عمر بالشك حتى تجاه أقرب شخص إليه.
تذكر كلمات ياسر مجددًا..الخائن داخل فريقك، لكن من؟ علي؟ أدهم؟، أم شخص آخر لم يره بعد؟
في مخبئهم السري فوق المتجر القديم، كان أدهم يتحرك بعصبية واضحة.
وحين دخل عمر، نهض فورًا.
"ماذا حدث؟"
أجاب عمر ببرود:
"قُتل العقيد ياسر."
تغير وجه أدهم فورًا.
"إذًا بدأوا بتنظيف آثارهم."
اقترب عمر منه ببطء.
"أو إسكات من يعرف الحقيقة."
ساد الصمت..ثم أخرج عمر صورة اللواء حمزة ووضعها فوق الطاولة.
"هذه الصورة مزيفة."
رفع أدهم عينيه بسرعة.
"كيف عرفت؟"
"ياسر أخبرني قبل موته."
بدا التوتر واضحًا على وجه أدهم، وهنا لاحظ عمر شيئًا مهمًا..الخوف..لكن ليس خوف رجل بريء.
بل خوف شخص يعرف أكثر مما يقول.
في تلك الليلة، بدأ عمر يفحص ملفات بطاقة الذاكرة مجددًا.
كان هناك ملف مشفر لم يُفتح بعد، واستغرق علي ساعات لفك حمايته، وأخيرًا ظهر تسجيل
فيديو قصير مهتز..الكاميرا كانت داخل مستودع أسلحة، وفلاديمير يقف وسط رجال مسلحين.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروق الجميع…هو الشخص الذي دخل الإطار بعد لحظات..أدهم.
ظهر بوضوح وهو يصافح فلاديمير.
ساد الصمت داخل الغرفة..نظر علي إلى أدهم بصدمة، وأما عمر فبقي ثابتًا، وكأنه كان ينتظر هذا منذ البداية.
قال أدهم بسرعة:
"الأمر ليس كما يبدو!"
رفع عمر سلاحه نحوه فورًا.
"إذن اشرح."
تنفس أدهم بعنف.
"كنت متخفيًا داخل الشبكة."
صرخ علي:
"كاذب!"
لكن أدهم تابع بسرعة:
"كنت أعمل مع جهة استخباراتية سرية لمراقبة العصابة."
ضاقت عينا عمر.
"أي جهة؟"
تردد أدهم.
ثم قال:
"إذا أخبرتكم… سيقتلوننا جميعًا."
قبل أن يكمل…رن هاتف عمر..رقم مجهول، ورفع السماعة بحذر.
وجاءه صوت روسي بارد يعرفه جيدًا..فلاديمير.
"مساء الخير أيها المفتش."
اشتدت ملامح عمر.
"أين أنت؟"
ضحك فلاديمير بخفة.
"قريب جدًا منك."
ثم أضاف:
"أنت تضيع وقتك مع الأشخاص الخطأ."
"قتلت ياسر."
"وياسر كان سيفضح شخصًا مهمًا."
ساد الصمت للحظة، ثم قال فلاديمير:
"إذا أردت معرفة الحقيقة… تعال وحدك إلى القاعدة القديمة في الصحراء."
"ولماذا أفعل ذلك؟"
أجاب الروسي بهدوء مخيف:
"لأن شخصًا تحاول حمايته… سيموت الليلة."
وانقطع الاتصال.
بعد أقل من ساعة، كانت سيارة عمر تشق الصحراء بسرعة جنونية.
جلس علي بجانبه بينما بقي أدهم في الخلف مكبل اليدين.
قال علي:
"لا ينبغي أن نثق به."
أجاب عمر دون أن ينظر إليه:
"لا أثق بأحد."
كانت تلك الحقيقة الوحيدة المؤكدة الآن.
انعطف عمر بالسيارة على جانب الطريق لاخذ استراحة، وفك علي ايادي أدهم
وابتدوا في تناول سندويتشات همبرجر وقطع دجاج مقلية مقرمشة.
وصار أدهم يشرب البيبسي بعد ان اكل، فاخذ سجادة من خلف السيارة، وفرشها
على الارض وصار يصلي.
مرت نصف ساعة وانطلقوا مجددا يعبرون الصحراء.
وصلوا قرب قاعدة عسكرية قديمة مهجورة نصف مدفونة بالرمال..الأبراج مدمرة.
والأسلاك الشائكة تتمايل مع الريح. لكن المكان لم يكن مهجورًا بالكامل.
فلقد كانت هناك آثار سيارات حديثة، وأضواء خافتة داخل المبنى الرئيسي.
اقترب الثلاثة بحذر.
ثم سمعوا صوت صراخ مكتوم، فركض عمر نحو المصدر حتى وصل إلى غرفة إسمنتية مظلمة.
فتح الباب بعنف…وتجمد مكانه.
عثمان كان مقيدًا إلى كرسي، ووجهه مليء بالكدمات، فرفع رأسه بصعوبة وقال:
"إنه فخ…"
وفجأة انطفأت الأنوار بالكامل، ثم أُغلقت الأبواب الحديدية بضجة مرعبة.
ودوى صوت فلاديمير عبر مكبرات قديمة:
"أهلًا بكم في المرحلة الثانية."
اشتعلت الأضواء الحمراء داخل القاعدة..ثم بدأ عدّ تنازلي يظهر على شاشة كبيرة فوق الجدار.
1:00:00
0:59:59
0:59:58
اتسعت عينا علي.
"ما هذا؟!"
وجاء صوت فلاديمير باردًا وواضحًا:
"أمامكم اقل من ساعة، قبل أن تنفجر القاعدة بالكامل."
ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف:
"لكن واحدًا فقط منكم يعرف كيف يوقف العد التنازلي."
نظر عمر فورًا نحو أدهم.
أما أدهم…فقد بدا وكأنه يعرف المكان بالفعل.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.