جلال ممدوح همام

Share to Social Media

الفصل الأول همسات في المراية

كانت ماليكة تزيل التراب من المراية القديمة في غرفة جدتها.
مرايا إطارها خشب محفور عليه بعض النقوش لا تفهمها ، ونصفها مكسور بشق رفيع مثل الشعرة.
يقع البيت في أرض العصايب مكان هادئ زيادة عن اللزوم من بعد المغرب. أمها قالت لها ألف مرة: "ما تلمسيش مراية ستك بعد العشا" ولكن الفضول كان أقوى منها.
وهي تمسح المرايا ، نفسها اتكتمت لحظة. وفي الكسر الرفيع اللي في المراية... شافت عين.
مش عينها هي. عين صفرا، فيها خط طولي مثل عين القطط ، وتضحك من غير صوت.
ماليكة رجعت للخلف وقلبها دق. مسحت الشق بإيدها تاني، العين اختفت. قالت في نفسها: "أكيد علشان تعبانة من السهر بس".
ولكن وهي بتلف علشان تخرج، سمعت همسات من خلفها ، لكن الصوت طلع من المراية:
"أخيراً مسحتي التراب يا ماليكة... كنت مخنوق".
ماليكة اتجمدت مكانها. ما فيش حد بيناديها باسمها في البيت غير أمها، وأمها كانت في المطبخ تحت.
بصت للمراية بهدوء . شافت الشق اتسع شوية، وطلع منه دخان أبيض بارد، ريحته زي البخور القديم بتاع جدتها.
الدخان اتشكل قدامها. بقى ولد في سنها تقريباً، لابس جلابية سودا، ورجليه مش لامسة الأرض. عينيه صفرا زي اللي شافتها.
ابتسم وقال: "اسمك ماليكة، صح؟
وأنا اسمي... ما ينفعش تقوليه 3 مرات ورا بعض. ناديني 'ظل' وخلاص".
ماليكة حاولت تصرخ بس صوتها ما طلعش.
ظل رفع صباعه على شفايفه: " أش... لو صرختي، جدتك هتسمع. وجدتك كانت بتعرف تقفل الأبواب. وأنا بكره الأبواب المقفولة".
قرب منها خطوة .
ريحة البخور بقت أقوى.
"جدتك حبستني هنا من 40 سنة عشان أنقذتها من الموت. قالتلي: 'احمي نسل بناتي ، فأنا وفيت بوعدي... بس اتحبست هنا يا ماليكة .
ماليكة لقت صوتها رجع فجأة وهمست: "عايز إيه مني؟"
ظل بص للشق في المراية وحزن غريب ظهر في عينيه:
"عايز أطلع. الباب بتاعي اتقفل بأغلال من كلامها. وانتِ... انتِ شبهها بالظبط. نفس العين. نفس العناد. انتِ المفتاح".
وفي اللحظة دي، لمبة الأوضة رفرفت وطفت. والمراية كلها بقت سودا، إلا الشق... الشق نور أحمر خفيف، وسمعت صوت جدتها من تحت بتنده: "ماليكة! انتي فين؟ تعالي اقفلي الشبابيك!
ظل اختفى في ثانية، والدخان رجع للمراية. كل حاجة رجعت عادية كأن مفيش حاجة حصلت.
بس ماليكة بصت لإيدها... لقت على كفها رسمة صغيرة محفورة زي الحرق: هلال مقلوب.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.