Qaed

Share to Social Media

لم تستطع روز التركيز طوال تلك الليلة.
كانت الصورة ما تزال أمام عينيها. علي يقف بجانب ذلك الرجل الغامض.
الرجل الذي كانت والدتها تذكر اسمه أحياناً قبل وفاتها ثم تلتزم الصمت فوراً. رجل ارتبط بذكرى بعيدة لم تفهمها يوماً.
والآن ظهر فجأة في حياة علين لم يكن ذلك منطقياًن ولم يكن صدفة أيضاً. كانت متأكدة من ذلك.
في صباح اليوم التالي وصلت إلى الجامعة وهي تحمل عشرات الأسئلة.
لكنها لم تكن تعرف كيف تطرحها، وعندما رأت علي يدخل قاعة المحاضرات، شعرت أن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً.
جلس في مكانه المعتادن ثم التفت إليها مبتسماً.
"تبدين متعبة."
أجابت بسرعة:
"لم أنم جيداً."
"بسبب المشروع؟"
"ربما."
راقبها للحظات، وكأنه شعر أن هناك شيئاً مختلفاً، لكنها تجنبت النظر إليه.
بعد انتهاء المحاضرة، جلسا في المكتبة لاستكمال العمل.
فتحت روز الحاسوب، ثم قالت وكأنها تتحدث عن أمر عادي:
"هل لديك أقارب كثيرون؟"
رفع رأسه باستغراب.
"هذا سؤال جديد."
"أجيب فقط."
ابتسم.
"نعم، عائلتي كبيرة."
"وأصدقاء العائلة؟"
"كثيرون أيضاً."
ترددت قليلاً.
ثم سألت:
"هل تعرف شخصاً يدعى روبرت توم؟"
اختفت الابتسامة من وجهه للحظة قصيرة، قصيرة جداً، لكنها لاحظتها.
"لماذا تسألين؟"
شعرت بقلبها ينبض بقوة.
"مجرد فضول."
أغلق الملف أمامه.
"أعرفه."
تجمدت.
"حقاً؟"
"نعم."
"كيف؟"
نظر إليها للحظة طويلة.
ثم قال بهدوء:
"إنها قصة قديمة."
"وما هي؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"ليست قصتي وحدي لأرويها."
ثم عاد إلى العمل، وكأن الحديث انتهى.
لكن بالنسبة لروز، كان قد بدأ للتو.
في الأيام التالية ازدادت حيرتها. كلما حاولت الابتعاد عن الموضوع عادت الأسئلة لتطاردها.
وفي الوقت نفسه كانت تقضي وقتاً أطول مع علي، وكان ذلك يجعل الأمر أصعب. لأن الصورة
التي رسمتها له في البداية بدأت تتغير، وتتغير بسرعة.
بعد أسبوع تقريباً، تعرضت روز لموقف محرج.
كانت تقدم عرضاً قصيراً أمام الطلاب، لكن جهاز العرض توقف فجأة عن العمل، وبدأت الهمسات تنتشر
في القاعة.
شعرت بالتوترن وحاولت إصلاح المشكلة دون جدوى.
نهض علي من مكانه، وتوجه نحو الجهاز، وأعاد تشغيله خلال دقائق.
ثم قال بهدوء:
"تفضلي."
عادت الشاشة للعمل، وعادت معها أنفاس روز.
بعد انتهاء العرض اقتربت منه.
"شكراً."
ابتسم.
"هذه ثاني مرة تشكرينني."
ضحكت رغماً عنها.
"لا تعدها."
"بل أعدها جيداً."
ولأول مرة ضحكا معاً دون أي توتر.
في المساء، خرج الطلاب من الجامعة بعد انتهاء الأنشطة.
لكن المطر الغزير أجبر الكثيرين على البقاء داخل المبنى. كانت روز تقف قرب النافذة عندما اقترب منها علي.
ناولها كوباً من القهوة الساخنة.
"تبدين وكأنك تحتاجين هذا."
نظرت إليه بدهشة.
"هل اشتريته لي؟"
"لا."
توقفت.
"حقاً؟"
ابتسم.
"اشتريته لنفسي ثم قررت أن أكون لطيفاً."
ضحكت، ثم جلست بجانبه.
لأول مرة تحدثا بعيداً عن المشروع والدراسة. تحدثا عن أحلامهما، عن السفر، عن الطفولة.
وعن الحياة التي يرغبان بها مستقبلاً.
شعرت روز براحة غريبة، راحة لم تعتد عليها منذ وقت طويل، أما علي فوجد نفسه يبتسم أكثر من المعتاد.
لكن كل شيء تغير بعد أيام قليلة.
في صباح أحد الأيام دخلت فتاة إلى الحرم الجامعي. كانت أنيقة وواثقة من نفسها، وتبدو أكبر من معظم الطلاب.
وما إن رآها علي حتى ابتسم فوراً، ثم اتجه نحوها، وعانقها بحرارة.
تجمدت روز مكانها. لم تعرف لماذا شعرت بانقباض مفاجئ في صدرها.
راقبتهما من بعيد. كانت الفتاة تضحك، وعلي يبدو سعيداً جداً برؤيتها.
اقتربت منهما إحدى الطالبات وسألت:
"من هذه؟"
أجاب أحد الطلاب:
"إنها بهية."
"من بهية؟"
"صديقة قديمة لعائلة علي."
وكانا قريبين جداً منذ سنوات.
شعرت روز بعدم الارتياح، رغم أنها لم تعترف بذلك حتى لنفسها.
في الأيام التالية أصبحت بهية تظهر كثيراً، وأحياناً كانت تتحدث مع علي لساعات، وكان ذلك يزعج روز أكثر
مما يجب، أكثر بكثير، لكنها كانت ترفض الاعتراف بالسبب.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت تراجع ملاحظات المشروع في غرفتها، وصلها بريد إلكتروني مجهول.
ترددت قبل فتحه، ثم ضغطت عليه. كان يحتوي على ملف واحد فقط، وصورة واحدة.
بدأت نبضات قلبها تتسارع..فتحت الصورة، وفي اللحظة التالية شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدميها.
كانت الصورة تجمع بين علي... وروبرت توم.
لكن الصدمة لم تكن في وجودهما معاً، بل في التاريخ المكتوب أسفل الصورة.
التاريخ يعود إلى العام الذي توفيت فيه والدتها، أما العبارة المرفقة فكانت أكثر رعباً:
"إذا أردتِ معرفة سبب وفاة والدتك... اسألي علي المالكي."
تجمد الدم في عروقها، وأعادت قراءة الجملة مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثاً. لكن الكلمات لم تتغير.
حدقت في الشاشة بيد مرتجفة، وشعرت بأن كل ما بدأت تؤمن به خلال الأسابيع الماضية قد يكون كذباً.
وفي تلك اللحظة أدركت أن الحقيقة التي تبحث عنها قد تكون أخطر مما تخيلت يوماً.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.