بقيت روز جالسة على سريرها لساعات طويلة.
وشاشة الحاسوب أمامها ما تزال تعرض الصورة نفسها. الصورة التي جمعت بين علي وروبرت توم.
والعبارة التي أرفقت معها.
"إذا أردتِ معرفة سبب وفاة والدتك... اسألي علي المالكي."
كانت الكلمات قاسية، ومخيفة. لكن شيئاً داخلها رفض تصديقها بالكامل.
خلال الأسابيع الماضية رأت من علي ما لا يتوافق مع صورة شخص يخفي أمراً شريراً.
ومع ذلك...لم تستطع تجاهل الأمر أيضاً.
في صباح اليوم التالي، استيقظت وهي تشعر بالارتباك.
وصلت إلى الجامعة مبكراً، وكانت تنوي مواجهة علي.
لكن عندما رأته يتحدث مع مجموعة من الطلاب ويضحك معهم بشكل طبيعي، تراجعت.
كيف يمكنها أن تسأله؟ وماذا لو كانت الرسائل مجرد أكاذيب؟
في تلك الأثناء أعلنت إدارة الجامعة عن مسابقة وطنية للمشاريع التجارية الناشئة، وكان على كل فريق
من الفرق المختارة تقديم مشروع متكامل خلال شهر واحد فقط.
وبسبب نتائجهم الممتازة في المشروع الأول، وقع الاختيار على فريق علي وروز لتمثيل الكلية.
قالت الدكتورة سعاد بحماس:
"هذه فرصة مهمة جداً..الجامعة تعتمد عليكما."
نظرت روز إلى علي، ونظر إليها، وكان واضحاً أنهما لا يملكان خياراً سوى التعاون.
بدأت الأسابيع التالية بوتيرة مرهقة.
ساعات طويلة من البحث، والاجتماعات، والتحضير للعروض، وأحياناً البقاء في الجامعة حتى ساعات المساء.
في البداية حاولت روز المحافظة على المسافة بينهما، لكن ذلك أصبح صعباً. كلما قضت وقتاً أطول معه،
ازدادت حيرتها.
في إحدى الأمسيات كانا يعملان داخل قاعة الدراسة.
وكان التعب واضحاً عليهما.
أغلقت روز حاسوبها فجأة.
"لا أستطيع التركيز أكثر."
رفع علي رأسه.
"وأنا أيضاً."
ساد الصمت للحظات، ثم قال مبتسماً:
"إذاً لدينا مشكلة."
"ما هي؟"
"إذا انهار الشريكان قبل المسابقة فلن يبقى مشروع أصلاً."
ضحكت لأول مرة منذ أيام.
وقال:
"أخيراً."
"ماذا؟"
"عادت ابتسامتك."
تفاجأت من ملاحظته، ثم نظرت بعيداً. لكن قلبها خفق أسرع مما أرادت.
مع مرور الوقت أصبحت أحاديثهما أطول.
وأقل رسمية. بدأ كل منهما يعرف أشياء لم يكن يعرفها عن الآخر.
اكتشف علي أن روز تعشق القراءة والسفر، وأنها ما زالت تفتقد والدتها بشدة رغم مرور السنوات.
أما روز فاكتشفت أن علي يحلم بتأسيس مشروعه الخاص بعيداً عن شركات والده، وأنه يرفض الاعتماد
على نفوذ عائلته.
في إحدى الليالي، وبعد اجتماع طويل، خرجا من الجامعة متأخرين.
كانت مواقف السيارات شبه فارغة، والهواء الليلي لطيفاً. سارا معاً نحو البوابة.
ثم قالت روز فجأة:
"هل ندمت يوماً على شيء مهم؟"
نظر إليها..بدا السؤال شخصياً أكثر من المعتاد.
فأجاب بعد لحظة:
"نعم."
"ماذا؟"
ساد الصمت..ثم قال بهدوء:
"أشياء من الماضي لا يمكن إصلاحها."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، لأنها تذكرت الرسائل فوراً. لكنها لم تسأله المزيد.
في الأيام التالية بدأت بهية تظهر مجدداً.
وكان وجودها يزعج روز أكثر مما ترغب بالاعتراف، وفي إحدى المرات رأت بهية تمسك بذراع علي
وهي تضحك.
شعرت بانقباض مفاجئ داخل صدرها، وحاولت تجاهل الأمر، لكنها فشلت، وعندما لاحظ علي برودها المفاجئ،
بدا عليه الارتباك.
بعد أيام قليلة، وأثناء استعداد الفريق لتقديم عرض تجريبي، حدث أمر غير متوقع.
تعرض أحد ملفات المشروع للتلف، واختفت ساعات طويلة من العمل.
شعرت روز بالذعر، لكن علي بقي هادئاً.
جلس بجانبها لساعات حتى أعادا بناء الجزء المفقود، وعندما انتهيا أخيراً كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.
تنهدت روز.
"لو لم تكن هنا لكنا خسرنا كل شيء."
ابتسم.
"وأنا كنت سأقول الشيء نفسه."
تبادلت عيناهما النظرات، وللحظة قصيرة جداً... شعرا أن هناك شيئاً أكبر من الصداقة يتشكل بينهما.
لكن أياً منهما لم يقل شيئاً.
في تلك الليلة عادت روز إلى المنزل مرهقة.
وقبل أن تنام قررت البحث مجدداً عن الرسائل المجهولة. هذه المرة استعانت بصديق قديم يجيد تتبع
الحسابات الإلكترونية، وبعد ساعات من العمل، أرسل لها نتيجة أولية.
فتحت الرسالة بسرعة، ثم شعرت بأن أنفاسها تتوقف. كان صاحب الرسائل معروفاً لديها، بل معروفاً جداً.
شخصاً وثقت به لسنوات. شخصاً كان قريباً من عائلتها منذ طفولتها.
حدقت في الاسم غير مصدقة، وأعادت قراءته مرة أخرى.
ثم همست بصدمة:
"مستحيل..."
لم يكن المرسل مجهولاً على الإطلاق. بل كان "جون توم"..، ابن روبرت توم نفسه.
والصديق القديم لعائلتها. الشخص الذي كانت تعتبره أخاً أكبر طوال حياتها.
أغلقت الحاسوب بيد مرتجفة، وسؤال واحد فقط كان يتردد داخل عقلها طلماذا يحاول جون إبعادها عن علي؟
هل كان يحذرها حقاً؟ أم أنه يخفي حقيقة أكبر بكثير مما تتخيل؟".