Qaed

Share to Social Media

بقيت روز تحدق في شاشة الحاسوب لفترة طويلة.
الاسم الذي ظهر أمامها لم يكن مجرد اسم. كان جزءاً من حياتها.. جزءاً من طفولتها، جون توم.
الشاب الذي كانت عائلتها تعتبره فرداً منها. الشخص الذي وقف بجانبها بعد وفاة والدتها.
والآن...هو نفسه الذي أرسل الرسائل المجهولة، وهو نفسه الذي يحاول إبعادها عن علي.
لم تستطع فهم السبب، و لكنها كانت مصممة على اكتشاف الحقيقة.
في اليوم التالي اتصلت بجون.
وبعد تردد قصير وافق على مقابلتها. اختارا مقهى هادئاً في أحد أحياء مسقط.
وصل جون أولاً. كان أكبر منها ببضع سنوات، وأقرب إلى رجل أعمال شاب منه إلى طالب جامعي.
جلس أمامها بهدوء. لكن التوتر كان واضحاً في عينيه.
قالت مباشرة:
"أنت من أرسل الرسائل."
لم ينكر، بل زفر ببطء، ثم قال:
"نعم."
شعرت بالصدمة رغم أنها كانت تعرف الإجابة مسبقاً.
"لماذا؟"
نظر إليها طويلاً..ثم قال:
"لأنني أحاول حمايتك."
"من علي؟"
"نعم."
هزت رأسها بعدم تصديق.
"لماذا؟"
ساد الصمت..ثم قال:
"لأنك لا تعرفين حقيقته."
"وأنت تعرفها؟"
ظهرت مرارة واضحة في صوته.
"أكثر مما تتخيلين."
استمرت المقابلة لأكثر من ساعة.
لكن جون رفض إعطاء تفاصيل كاملة. كل ما قاله أن هناك خلافاً قديماً بين عائلته وعائلة علي.
وأن بعض أحداث الماضي لم تكن كما تبدو. لكن عندما طلبت منه أدلة واضحة، تهرب من الإجابة.
وذلك جعل شكوكها تزداد.
هل كان صادقاً؟ أم أنه يخفي شيئاً آخر؟
في المقابل، كانت علاقتها بعلي تزداد تعقيداً، لأن قلبها بدأ يخون عقلها.
كلما حاولت الابتعاد عنه، وجدت نفسها تقترب أكثر، وكلما تذكرت تحذيرات جون، تذكرت أيضاً كل المواقف
التي وقف فيها علي إلى جانبها.
بعد أيام قليلة تلقى علي اتصالاً أثناء وجودهما في الجامعة.
وفور انتهاء المكالمة تغير وجهه..اختفت ابتسامته المعتادة، وحل مكانها شيء من الحزن.
سألته روز:
"هل حدث شيء؟"
تردد قليلاً..ثم قال:
"جدي في المستشفى."
تفاجأت..كانت تلك أول مرة تسمعه يتحدث عن أحد أفراد عائلته بهذا القدر من القلق.
في المساء قررت الذهاب معه.
لم يطلب منها ذلك، لكنها فعلت من تلقاء نفسها.
عندما وصلا إلى المستشفى، رأت جانباً مختلفاً من علي. جانباً لم يظهره لأحد.
كان يجلس قرب سرير جده ممسكاً بيده، ويتحدث معه بهدوء، ويحاول إخفاء خوفه.
لأول مرة بدا ضعيفاً، وإنسانياً، وبعيداً تماماً عن صورة الشاب الواثق الذي يعرفه الجميع.
بعد خروجهم من المستشفى، جلسا في الحديقة القريبة.
كان الليل هادئاً، والنجوم تملأ السماء.
قال علي بصوت منخفض:
"أخاف أن أفقده."
نظرت إليه روز.
ولم تعرف ماذا تقول..فقط وضعت يدها فوق يده للحظة قصيرة،.
دون تفكير.
رفع رأسه نحوها، والتقت عيناهما، وفي تلك اللحظة شعر كل منهما بشيء واضح جداً.
شيء لم يعد بالإمكان تجاهله.
خلال الأسابيع التالية أصبحا أقرب من أي وقت مضى.
أنجزا مشروع المسابقة بنجاح، وقضيا ساعات طويلة معاً، وأصبحت النظرات بينهما تقول أشياء أكثر
من الكلمات. لكن أياً منهما لم يعترف بمشاعره بعد.
وفي مساء هادئ بعد انتهاء أحد الاجتماعات، جلسا على الشاطئ.
كان البحر ساكناً، والنسيم لطيفاً.
قالت روز:
"هل تؤمن بالقدر؟"
ابتسم علي.
"أحياناً."
"لماذا أحياناً فقط؟"
نظر إليها..ثم قال:
"لأن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا بطريقة يصعب اعتبارها صدفة."
تسارعت نبضات قلبها، وشعرت أنه يقصدها. أما هو فبدا وكأنه على وشك قول شيء آخر.
شيء مهم..شيء كان ينتظره منذ أسابيع.
لكن هاتف روز رن فجأة، فانقطعت اللحظة.
عندما عادت إلى المنزل وجدت رسالة إلكترونية جديدة.
من المرسل المجهول نفسه..جون. لكن هذه المرة لم تكن رسالة قصيرة، بل ملفاً كاملاً.
ترددت قبل فتحه، ثم ضغطت عليه، وبدأت تقرأ. كلما تقدمت في الصفحات ازداد وجهها شحوباً.
كان الملف يحتوي على وثائق قديمة، وتقارير مالية، وصوراً، وأسماء، وفي منتصف الملف ظهر اسم علي.
بوضوح. ثم ظهرت وثيقة أخرى، وأخرى. كلها تشير إلى حادث وقع قبل سنوات.
حادث ارتبط بوالدتها، وبعائلة علي. شعرت بأن العالم يدور حولها.
في صباح اليوم التالي واجهت علي.
كانا وحدهما في إحدى القاعات الدراسية، ووضعت الملف أمامه.
وقالت بصوت مرتجف:
"أخبرني أن هذا غير صحيح."
نظر إلى الأوراق، واختفت الألوان من وجهه، لقد عرفها فوراً.
رفع رأسه ببطء، ولأول مرة منذ عرفته بدا عاجزاً عن الكلام.
قالت:
"هل كنت تعرف؟"
ساد الصمت، ثقيلاً، مؤلماً.
ثم قال أخيراً:
"نعم... أعرف جزءاً من الحقيقة."
شعرت وكأن شيئاً انكسر داخلها.
"إذاً كان جون محقاً؟"
"لا."
"إذاً اشرح لي!"
أغمض عينيه للحظة..ثم قال:
"لا أستطيع الآن."
كانت تلك أسوأ إجابة ممكنة.
خرجت روز من القاعة وهي تكافح دموعها.
أما علي فبقي مكانه، ينظر إلى الملف بصمت، ويعرف أن اللحظة التي خاف منها طوال سنوات قد وصلت أخيراً.
لكن الحقيقة الكاملة لم تكن قد ظهرت بعد، ولم تكن الصدمة الحقيقية قد بدأت بعد.
في تلك الليلة، وبينما كانت روز تعيد قراءة الملف للمرة العاشرة، سقطت من داخله ورقة صغيرة لم تلاحظها سابقاً.
التقطتها بيد مرتجفة، ثم قرأت السطر الأخير المكتوب فيها، وفجأة شعرت بأن أنفاسها توقفت.
كان الاسم المكتوب في الوثيقة يخص والدها، وكانت المعلومة أخطر بكثير مما توقعت.
همست بصوت مرتجف:
"لا...هذا مستحيل..."
ثم جلست ببطء على الأرض، لأنها أدركت أخيراً أن القضية لم تكن تتعلق بعلي وحده، بل بها هي أيضاً.
وبعائلتها، وبأنها ربما كانت جزءاً من هذه القصة منذ البداية... دون أن تعلم.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.